الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين
الجزء ١ · صفحة ١٦٢عملي».
وكان الشيخ عدُّون في هذا المنهج الرائد والحارس، يربي تلاميذه على الأخلاق والفضيلة، ويحرص أن يكونوا نماذج عليا في تمثّل قيم الإسلام بين الناس، يحاسبهم على التقصير فيما يستهين الناس به من الهفوات، ويغرس في وعيهم أنهم قدوة للناس، فلا يجوز أن يغفلوا عن هذه الحقيقة يوما، ويجسد لهم معنى الحكمة الشهيرة: «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
علاقتُه بتلاميذه:
كانت علاقة الشيخ بتلاميذه علاقة الوالد الرؤؤف والأم الرؤوم بأبنائهما، يُعنى بهم ويسأل عن أحوالهم، ويسعى لحل مشكلاتهم، ويمدهم بالعون الأدبي والمادي لتجاوز عقبات التحصيل، وكان لا يكبر أمامه عائق في طريق العلم، ويبذل المستحيل ليذلله، وكان يعقد الجلسات العديدة، يقضي فيها الساعات الطوال، لحل تلك المشكلات، وإزاحة المعوقات، كي يواصل هؤلاء مسارهم حتى بلوغ الغايات، ونيل أعلى الدرجات.
من هنا كان اهتمامه البالغ بالطلبة النجباء، مثل اهتمامه بالمتمردين على حد سواء، هذا بالتشجيع والتأييد، وذاك بالتقويم والتسديد. وفي هاتين الجبهتين جهاد جليل، وفي بيانهما كلام يطول، يقتضي بسطا تبخل به هذه الومضات وتقصر عنه هذه الصفحات.
وكان أكبر همه انقطاع الطالب عن العلم، بل كان يعدّ ذلك فرارا من الزحف، ويغضب لذلك أشد الغضب، ويردد على مسامع طلبته حُكم الفقهاء أن الفار من الزحف يقتل، تأكيدا منه على خطورة الأمر وفداحة العواقب ليس إلا. ولا غرو فقد ذاق مرارة الانقطاع عن التعليم، ورأى مصير الصغار حين يختضرون من رياض العلم، فيُرمَى بهم إلى أوحال الاستذلال والامتهان، فتُرزأ الأمة في قدراتهم ومواهبهم، ويضيع حاضرهم ومستقبلهم، ويخسرون دنياهم وآخرتهم، وذلك هو الخسران المبين.
وحنوُّ الشيخ على تلاميذه وحبه لهم ترك بصمات خالدة في ضمائرهم، وما رأيت أحدا ممن حظي بالتلمذة على يديه إلا أحبه حبًّا جمًّا لما كان يغْذُوهم به من هذا الحب والحنان، حب ينضح صدقا وإخلاصا ورغبة في أن يحقق كل طالب في مستقبله نجاحا كبيرا، ويكون بين الناس شيئا مذكورا.
أما جو الدرس فهو درس لمن رام نموذجا لطريقة التعليم المثلى، توضيحَ حقائقَ علمية، وزرعَ قيمٍ خلقية، وتوطيدَ محبةٍ ومودةٍ وتوقيرٍ واحترامٍ بين المعلم والتلاميذ، وفي تلك العلاقة سر التفوق وحافز على الجد في التحصيل، وفيه تختزل كثير من طرق التدريس العقيمة التي قصَرَتْ نظرها على الوسائل والشكليات، وأغفَلَتِ القدوة، وهي أُولىَ الأولويات، وأساس كل الخطوات.
ولكل طالب قضى عمرا في معهد الحياة، ذكرياتٌ عن حصص الدرس بين أحضان الشيخ عدُّون، لو جمُعت لكانت موسوعة ونبراسا يهتدي به المربون. وصدق من أرسلها قولةً حكيمة: