الشيخ عدون معدن التجديد والتطوير
الجزء ١ · صفحة ١٧٧إصلاح طرق التّعامل مع الحياة المتجدّدة المتغيّرة … لذا كان مسهما ومرابطا - بخاصّة - في الحركة الإصلاحيّة التي قادها الشّيخان إبراهيم بن عمر بيّوض وإبراهيم بن عيسى أبو اليقظان ـ رحمهم الله ـ. وكان منافحا ومدافعا عنها بكلّ ما أوتي من قوّة، وكان حريصا على رصدها، وإطلاع الأجيال المتلاحقة على تفاصيلها: منطلقا وهدفا وسيرورة وصيرورة، وقوّة وضعفا، وعراقيل ومطبّات، ومنجزات وآفاقا وأعلاما ورجالا عاملين. لا يفوّت أيّة فرصة تتاح له فيقدّم للشّباب نبذا من هذه المسيرة، تبعث فيهم روح التّضحيّة والعمل، وتنهض بهم من الخمول والخمود والهمود والجمود.
ممّا يشهد له به في هذا السّياق حرصه الشّديد على تطبيق شرع الله، بداية من أسرته و تربية أبنائه، مرورا بمعهد الحياة والمدارس التي يشرف عليها، وتوجيه تلاميذه ونصح المعلّمين والأساتذة، وإظهار السّخط والغضب على كلّ انحراف يلاحظه في الميدان، في السّلوك أو المنهج، وصولا إلى المجتمع بكلّ شرائحه وطبقاته. فقد كان يوجّه الصّغار، وينصح الكبار، ويذكّر المسؤولين حتّى في المستويات العليا من الحكم، عملا بتوجيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: النّصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم.
من هذه المجالات التي أعطى لها نَفْسَه، وأنفق نفيسه، وأطال فيه نَفَسَه، مجال اللّغة العربيّة. فإلى جانب إطالة مدّة تدريسه اللّغة العربيّة، قواعد ونصوصا أدبيّة، كان الحامي للّغة من العابثين بها، والخاذلين لها، والرّافعين لواء الهجوم عليها والاستنقاص منها، وتهميشها في الحياة العامّة. فكان متعصّبا لها؛ حين أبدى زائغو العقيدة، وضعفاء الإيمان، ومهزُوزُو الكيان، احتفاءهم باللّهجات المحليّة، على حساب لغة القرآن، ولغة الدّين، واللّغة الجامعة للقلوب، والحامية للأصالة، والبانية للكيان، والضّامنة للبقاء … حين سار هؤلاء في هذا الدّرب تصدّى لهم بقوّة بخطبه وتقريعاته ورفضه الإنشاد بغير اللّغة العربية، وكتابة القصائد بغيرها. إنّ ذلك هو شعور المؤمن الصّادق الذي يضع الدّين فوق كلّ اعتبار، ويصرّ على ذلك كلّ الإصرار، مهما يلحقه من جرّائه من أضرار، وهو يعلم أنّه يؤوب بالانتصار وأيّ انتصار. وفي هذا يقول الدّكتور محمد بن صالح ناصر مخاطبا الشّيخ عدّون:
وَقَوَافِلُ الأَجْيَالِ كَمْ وَرَدَتْ بِحَوْضِك تَنْهَلُ الفُصْحَى كُؤُوسًا أَحْمَدِيَّه
ماذا نقول وماذا نُبقِي في حياة مربّي الأجيال، وماذا نبدي وماذا نعيد في مسيرة صانع الرّجال. حسبنا تقديم نبذة من ذلك، نبرّ بها شيخنا، إن كان هذا يشفع لنا ما له علينا من حقّ، ولا أظنّه يشفع. ويكفينا عذرا تحسيس الأبناء بقيمة هذا الرّجل العظيم، وتوجيههم كي يقتفوا أثره، ويتتبّعوا خبره، وينشروا فكره، ويذيعوا ذكره، وما أَحسبُنِي بلغت بهم هذا الهدف، فما يزال الجوهر مكنونا في الصّدف. فما عليهم إلاّ أن يغوصوا في هذا البحر، ففي أحشائه درر وغرر. نختم هذه الخواطر بأبيات لأستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر، من قصيدة طويلة قالها في حقّ الشّيخ عدّون بعد أن