من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١٩ميزاب، في مؤتمر تأسيس جمعية القدماء ــــ كما أسلفت ــــ وتناول فيه أهم قضايا الأمة الميزابية في ذلك العهد؛ قضايا تربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية .. واعتبرته ـــ بحق ـــ دستورًا للأمة.
وأستسمح الشيخ بيُّوض (رحمه الله) في قبره المعطَّر، وأستسمح جميع القرَّاء إن كنت متجرِّئًا ومتطاولا في اقتحام أبواب الخطاب لأنقل منه ما ينفع الجميع، ولكنني أخشى من جهة أخرى أن أكون مقصِّرًا وعاجزًا في إيصال الرسالة وتبليغ الأمانة.
أخي القارئ: إن كان الشيخ بيُّوض قد ألقى هذا البيان منذ أزيد من نصف قرن، فإنك بلا شكَّ ستجد حديثه صالحًا لزمانه وصالحًا لحاضرنا نحن، ومستقبلنا، وستتصور الشيخ بيُّوض وتستشعره ــــ إن تتبعت باهتمام ــــ حاضرًا بين أيدينا ويحدِّثنا هو نفسه، خاصَّة عندما تؤوِّل بعض القضايا الماضية بمثيلاتها المستجِدَّة.
لقد كان فعلاً آية في التفكير والنظر، آية في حكمة الإرشاد والتوجيه، آية في البلاغة والبيان.
أخي القارئئ؛ استحضر معي الظرف الذي عُقد فيه المؤتمر؛ أي في (05 أوت 1948)، وهو ظرف تكالب فيه الصراع بين حركة الإصلاح والجمود، جمود الدين والفكر والعلم، وظرف اشتدَّ فيه خناق المستعمر الفرنسي على الشعب الجزائري عامَّة، لمحو شخصيته العربية الإسلامية، ويبقيه في ظلمات الجهل والفقر حتى لا يعرف بصيصًا من النور يعرِّفه حقوقه وكيف تؤخذ، وطرق الحرية وكيف تُنتزع، وما أحداث 08 ماي 1945 الأليمة ببعيدة عن ذلك الزمن.
في هذه الظروف الحالكة يُعقد مؤتمر في القرارة يدوم ثلاثة أيام، رغم أنف العدو، ويخرج بتأسيس جمعية اجتماعية ثقافية، تحمل راية الحركة الإصلاحية والنهضة الفكرية في وادي ميزاب، ويدوِّي فيه الشيخ بيُّوض بخطاب جذب الأسماع والأنظار، وتمنَّى الحاضرون ألاَّ ينتهي.
نستخلص من هذا الخطاب مجموعة من النقاط، نقف عندها وقفة تأمُّل مبتدئين من أوَّله.
النقطة الأولى:
إنَّ افتتاحية الخطاب تُشعرنا بهذه الظروف الصعبة التي أشرت إليها، وتصور لنا الشيخ بيُّوض، الأستاذ المربي الحكيم، المتواضع في مقامه العلمي العظيم، ومنصبه الاجتماعي الذي خضعت له الأعناق، والمحب العطوف على تلاميذه، الشاكر لمساعيهم، المقرِّ بفضلهم، وأن لا نجاح له بدونهم. يقول بعد حمد الله:
"أبنائي الأعزاء: إنَّ أول وأولى من نتوجَّه له بالشكر الجزيل والثناء الجميل، هو الحق جلَّ جلاله، الذي أخذ بأيدي بعض أبنائنا البررة وهداهم السبيل، وأشعرهم واجبهم نحو أمتهم في هذا الظرف العصيب، حتى كان من نتائج سعيهم اجتماع هذا الحفل البهيج.
ثمَّ نتوجَّه بالشكر إلى الذين استجابوا لداعي الحق في نفوسهم، فأرسلوا الدعوات، ثمَّ إلى الذين