مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ٢٠

استجابوا لدعوات إخوانهم ولم يبالوا بالصعوبات، ثم الذين اعتذروا وقدَّموا ما لديهم من اقتراحات ( … )

أبنائي الأعزاء: إنَّ التآمر في هذه الأيام من أعظم الأعمال، إنه لتاريخ سيسجله في صفحاته البيضاء، إنَّ هذا المؤتمر كان في منعطف من منعطفات التاريخ، أو مفترق الطرق، فلست ألقي الكلام على عواهنه، أو أستعمل الكلمة في مجازها، بل أقصد معنى الكلمة الحقيقي، وسيتبين لكم ذلك ممَّا سأشرح به هذه النقطة، فتعرفون أننا في نهاية عصر قديم مضى بما فيه من أوضاع عتيقة، وأساليب بالية، وبداية عصر آت، تتطور فيه كلُّ الأساليب والأوضاع في شتى شؤون الحياة، ما من ذلك بد، وفي ذلك خيرٌ وشرٌّ، نفعٌ وضُر، سعادة وشقاء.

أبنائي البررة: إنَّ سروري باجتماعكم اليوم أضعاف ما تشعرون به، لأنَّ كلَّ غبطتكم وانعطافكم على بعضكم، كليهما منسكبان في نفسي على عدد أشخاصكم، وما ذلك إلاَّ لأمرين ربَّما كان أحدها عاطفيًّا لا صلة بينه وبين ما أرجوه وآمله منكم ولكم، إذ أشعر في أعماق قلبي بحب شديد أحمله لكل من اتصل بي، وتلقَّى عني ولو زمنًا قصيرًا.

إنَّ القلب ليخفق لكلمة اسمعها من أحدكم في الهاتف، ويخفق للرسالة القصيرة، واللقاءات الخفيفة، ولو علمتم ما أحمل من هذا الحب في نفسي لواصلتم إليَّ الكتب، ولو كنتم تُحسون مثل هذا الإحساس لخلقتم الفُرص للاتصال بي بالحديث، وبالكتاب، وبالزيارة.

أبنائي الأعزاء: إنَّ سروري أكثر من كلِّ سرور يكنه بعضكم لبعض، والحب الشديد الذي يربط بينكم، وإني لأعزو ذلك إلى أثر حبِّي الذي أفضته عليكم، وأعزو إليه كلَّ ما يستقبلكم من فوز ونجاح.

إنَّ هذا الحب وهذه الصداقة بين أبنائي من أعظم ما أفخر به، ومن أقوى الدعائم التي أبني عليها آمالي في مستقبلهم".

ما أروع تواضع العلماء، وما أجمل محبَّة المربين لتلاميذهم، وما أشوق كلمة متواضعة يجلب بها المربي تلامذته إليه، إنَّه لخلق عظيم، وشعور نبيل غمر به كلَّ من عاضده.

كما أنَّ غرس الشيخ الحب والصداقة بين نفوس تلامذته لهو الرباط الذي يضمن به وحدة الأمة، فلا حسد بين العلماء، ولا بغض ولا شنآن، ولا تنافس بينهم إلاَّ في مجال خدمة الدين والأمة إذا أرادت الجماعة الصلاح لنفسها. وفي هذا يقول أيضًا:

"إنه ليسرُّني أن تتوالى الرسائل والهدايا بينهم في مختلف المناسبات، ويسرني تعلُّق بعضهم ببعض حتى إذا رأى أحدهم زميله هشَّ له وبشَّ كأنه رأى شقيقه ابن أمه وأبيه، وهما حقًّا شقيقان!

إنَّ لهذه المحبة أثرًا كبيرَا في تزكية النفوس، وتطهير الضمائر، إنَّ لها لأثرًا بليغًا في سعادة الأفراد والجماعات، إنها لا تترك في النفس ضغينة ولا حقدًا ولا حسدًا.

إنه ليسُرُّني أن أرى قلوبكم قد أُشربت هذا الحب المكين، ونفوسكم قد أُشعرت هذه العاطفة

٢٠ / ٢٢١