الهجرة مفهوم وحقيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧ويستطيبون في بلاد الكفر المقام، فكانوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون عونا لأعداء الإسلام. وإنما الهجرة ما حدده الحبيب المصطفى في حجة الوداع مخاطبا أعظم حشد للمسلمين في زمان النبوءة قائلا: «أأنبئكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات ممَّا حرم الله عليه». وقال: «ألا إن المهاجر من هجر السوء». ولا أدلَّ على مفهوم كلمة السيئات والسوء من كثرة ترددهما في القرآن الكريم عشرات المرات بمعنى الكفر والعصيان، والعناد والفسوق، والظلم والجحود، وكلها تبعد المرء عن الصراط المستقيم، وتنيله سخط الواحد القهار، في سواء الجحيم وبئس القرار. ومن عجيب أمر الله تعالى في كتابه أن يرتب على آيات الهجرة والجهاد نهيَه عن كثير من المعاصي والموبقات، وحكمَه في كثير من الحدود والحرمات، فاقرؤوا إن شئتم قوله من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ (سورة البقرة: 218 - 219)، إلى آخر الأحكام المتعلقة بالأموال واليتامى، والنكاح والحيض، واليمين، والإيلاء والطلاق، والرجعة والرضاع، والخطبة والمتعة، ثم العدة والصلاة وغير ذلك،.
ولترتيب آي القرآن بعضِها على بعض أسرار وحكم يدركها العلماء ويستنبطها الحكماء.
معاشر السادة الأكارم؛ تلكم حقيقة الهجرة، التي أرادها الحق جلَّ جلاله من جميع المسلمين والمسلمات، وهي التي ارتضاها لهم سببًا لنيل رضوانه والخلود في الجنات، فما مدى وفائهم لأهدافها، وتحقيقهم لغاياتها حتى يستحقوا مثوبة الهجرة فيكونوا من المهاجرين؟ إنها أسئلة تترى على الذهن كثيرا ولا نستطيع عدها، وصور من عدم الوفاء تتراءى عيانا ولا نستسيغ حصرها، فهي حسرة تذيب الفؤاد، وتُدمي القلب، وتنكئ النفس، وتُدمع العين، إلاَّ ما رحم ربِّي.
* فهل هاجر المسلمون طُرق البدع وسبل الضلال فأخلصوا العبادة لله، وابتغوا إليه الوسيلة دون سواه؟ ألسنا نرى براثن الشرك تخدش جسد الأمة في كثير من مظاهر العبادة، التي تخرج صاحبها من دائرة الإيمان فتوقعه في حفر النفاق والشرك، بالتوسل إلى الأضرحة والأموات، والتمسح بالقباب والعتبات المنبثة في جميع بلاد الإسلام؟
* هل هاجر المسلمون ربقة الشقاق والخلاف، واعتصموا بحبل الله القويم جميعا فكانوا صفا واحدا في مواجهة الأعداء؟ ألسنا نرى بأسهم بينهم شديدا، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، في صراع لا يتناهى، وقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف في مذلة وهوان، وألبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض؟
* هل هاجر المسلمون إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فحافظوا على الصلاة كاملة أركانها، وجاؤوا بها تامة في كل أوقاتها؟ ألسنا نرى الصلاة كيف صارت عبئا ثقيلا، لا يقيمها المسلمون غالبا إلا في المناسبات كالجنائز والجمعة والأعياد؟
* هل هاجر المسلمون شرب الخمور والمسكرات، وتعاطي المفتِّرات والمخدرات، وهل هاجروا