مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ٢٣

إنه سيل عارم لا نستطيع مجابهته، ولكننا نستطيع أن نداريه، وأن نصرفه أحسن تصريف بحذق ومهارة وبراعة، إذا شعرنا به وأعددنا له عدَّته، فننتفع بخيره ولا نصاب بشره، ونستضيء بنوره ولا نحترق بناره".

أما ما يتعلق بالعمل مع الحكام المستعمرين فلا بد للشيخ من سياسة حكيمة يعاملهم بها، ويدعو إليها في كثير من المناسبات في ذلك العهد. اقرأ قوله:

"لو كنا حصفاء حكماء لسلكنا من التحكمين من ذوي السلطان سياسة المراوغة واللف والدوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الراجحة، فعرفنا خير الخيرين وشرَّ الشرين، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إن تيقَّنَّا أنَّ الكل ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة ولا الاستسلام المطلق المُخزي بمفيدنا في سياستنا مع المتسلط القوي، لكن التبصُّر وحسن التصرف والمرونة السياسية وحسن استغلال الظروف والأشخاص والمناسبات، هي أحكم سياسة للضعيف الأعزل مع القوي المدجَّج".

النقطة الخامسة:

إنَّ رؤية الشيخ بيُّوض إلى الناحية الاقتصادية في ميزاب معتمدة على ما يزخر به الوادي من خيرات الأرض ووفرة المياه، ولهذه الميزة أثرٌ سلبي إن لم نستغلها؛ قال الشيخ:

"أما في الميدان الاقتصادي فإنَّ هذا النهر العظيم من المياه العذبة الغزيرة الذي كشف العلم الحديث أنه يجري تحت أراضي ميزاب والمناطق التي حوله، قد لفت الأنظار إلى هذه البلاد، والجهود مبذولة في إدارات الحكومة ولدى هيئات التعمير لدراسة وسائل تفجيره واستغلاله. وقد أشار إليه الوالي العام في خطابه في المجلس الجزائري، وبفرنسا حاجة شديدة إلى الإنتاج للنهوض باقتصادها وإنقاذ عملتها، وقد قال وزير المالية: (بول رينو) أمام المجلس الوطني: "إمَّا الإنتاج أو الموت"، ومن المعلوم أنَّ أكثر ما تتجه إليه الأنظار عند ذكر الإنتاج هو الأرض البكر كأرضنا، وإنَّ أراضي واحات ميزاب وما حوله تتمتع بثروة طبيعية هائلة لا تخفى عن أنظار الطامعين، هي جودة التربة وشعاع الشمس. وقد رأيتم أنه لمجرد نجاح التجارب الأولى بادروا لتأسيس شركة استغلال لهذه المياه، وأدخلوا في نطاق امتيازها جنوب المقاطعة الجزائرية كلُّه، وهم يحاولون عرقلة المشاريع الأهلية المحلية.

إنَّ ميزاب سيصبح بعد قليل بلادًا منتجة مصدِّرة بحكم عذوبة مائه وطيب تربته ونشاط أهله، وهذا يقتضي بطبيعته مؤسسات وهيئات للتصدير، فإنَّه لا يستهلك عشر نتاجه، وسواء كانت المشاريع فيه أهلية أم أجنبية، فإن طبيعة العمران ستجلب إليه أخلاقًا من مختلف العناصر والجماعات من طلاب الأعمال ورواد الاستغلال، يفدون إليه بمنازعهم وأهوائهم، وبعوائدهم وأدوائهم، ولا بدَّ من الاحتكاك والاختلاط فلا محيص إذٍ من العدوى، فبأيِّ وسيلة يحافظ ميزاب

٢٣ / ٢٢١