مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ٢٥

لم يمتحن العرب والمسلمون في تاريخهم الحديث بمثل محنة فلسطين، فلم يمر على جامعة دولهم يوم أصعب من هذا اليوم، تحالف ضدهم المختلفون، وتصادق المتعادون، وتآلبت عليهم قوى الشر من الشرق والغرب، وقد أظهروا قبل هذه الظاهرة شمما وإباءً وأنفة وكبرياء، فتصلبوا في ميدان السياسة، وثبتوا في مواطن الكفاح، لكنهم تراجعوا أخيرًا بعد هذه الظاهرة الغريبة، ولم يزالوا إلى اليوم بين جزر ومدٍّ، وأخذ ورد، مع قوى الشر العالمية مجتمعة. وما ندري عمَّ تتكشَّف هذه المحنة القاسية؛ أعن فوز للعرب في الميدان السياسي أم انهزام؟ وعن انتصار في الميدان الحربي أم انكسار؟ إنَّنا لا نعلم شيئًا من ذلك والأمر غيب، والغيب بيد الله، لكننا نعلم أن العالم الإسلامي كلَّه سيتأثر بالوضع الجديد لدول العرب بعد انكشاف المحنة، ما من ذلك بدٌّ، لا سيما شمال إفريقيا، البلاد المقيَّدة بأغلال الاستعمار، والتي ترجو فكاكها على يد دول العرب، بعد أن أيست من إنصاف دول الغرب".

نقول للشيخ: قم الآن وزد بكاء على فلسطين والعالم الإسلامي كلِّه، فليس حاضرُه أفضل من ماضيه، والتاريخ يعيد نفسه. إنَّ قوى الشر تتسلَّط على البلاد الإسلامية يومًا بعد يوم وتزيد، والمسلمون في ضعف يتفرَّجون ويتحمَّلون جرع الغصص؛ فانتفاضة قليلة منهم لا بدَّ أن تُحدث في العدو انقلابًا، وليس أدلَّ على ذلك من انتفاضة المسلمين في لبنان التي قهرت العدو الصهيوني وحققت انتصارًا، سيؤثر لا محالة لا في المشرق العربي وحده، بل في العالم الغربي والعالم الشرقي معًا.

يضيف الشيخ بيُّوض في عالم السياسة قوله: "وهناك ظاهرة أخرى لها أثرها البالغ في سياسة المغرب العربي الذي منه الجزائر وميزاب، تلك هي قضية مستعمرات إيطاليا التي منها طرابلس الغرب، حلقة الاتصال بين المغرب العربي وبين مصر قلب العالم الإسلامي ودماغه ومفتاح الشرق العربي، والقضية على بساط المناقشة بعد أن قدمت لجنة البحث تقريرها، وسيفضُّ أمرها قريبًا، والظاهرة التي نسجِّلها هنا بكل أسف هي موقف الدول التي كانت بالأمس القريب ألدّ أعداء إيطاليا، حتى فرنسا التي لم تتورع إيطاليا عن ضربها بخنجر من وراء ظهرها في ساعة محنتها القاسية، أصبحت تدعو إلى ردِّ ليبيا إلى إيطاليا. ولا ننخدع بالعناوين الخادعة كالانتداب والوصاية، فإنَّها ليست إلاَّ الاستعمار في أبشع وأفضع صوره، وما ذلك إلاَّ مخافة أن تسري العدوى من هذا القطر إذا تحرر إلى جارته القريبة فالجزائر فالمغرب الأقصى.

ومهما يكن فإن شمال إفريقيا سيتأثر إلى حدٍّ بعيد بالوضع الجديد الذي يفرض على القطر الليبي، هذا كلُّه بدءُ انقلاب خطير سينالنا منه حظٌّ كبير، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرَّا فشرٌّ".

ويقول الشيخ: "ولأنتقل بكم إلى ما هو أقرب من جميع ذلك: هذا الدستور الذي وضعته فرنسا للجزائر، وأنشأت به هذا المجلس الجزائري، ووضعت به الجزائر في وضع جديد له حسناته وسيآته، هو بدءُ انقلاب كبير، وهو خطوة أولى في طريق تطور الجزائر إلى أوضاع مختلفة متتالية ستجتازها

٢٥ / ٢٢١