مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ٢٦

البلاد حتمًا قبل أن تصل إلى غايتها" [مع العلم أنَّ الشيخ بيُّوض قد انتُخب عضوا في هذا المجلس سنة 1948، وأعيد انتخابه أيضًا سنة 1951.

ويواصل الشيخ قوله:"إنَّ لهذا المجلس ـــ رغم عيوبه الكثيرة ـــ لخطرًا وأثرًا، ولا أدلَّ على خطره ممَّا ارتكبته الإدارة لإقحام صنائعها فيه، لو وجد رجالاً أكفَّاء مخلصين لخدموا به البلاد خدمة جلَّى. تعجبني كلمة قالها السيد فرحات عبَّاس في المجلس عند المناقشة على لقب العضو: أنا لا أقبل كلمة نائب "ديبيتي" لا لأنَّ المجلس ليست له أية سيادة، فإنَّ المجلس الوطني قد تنازل له عن بعض سيادته قطعًا، بل لأنَّ كثيرًا من أعضائه لم يُنتخب انتخابًا، وإنَّما عُيِّن تعييناً.

حقًّا إن للمجلس سيادة في ميادين شتَّى، سيكون له فيها الأثر البليغ، وستتناولنا مقرراته، ويمسُّنا من قريب لا من بعيد في شتى شؤوننا الحيوية، وإنه لم يخرج عن اختصاصه إلاَّ أمورٌ معدودة.

( … ) إنَّ الذي ينالنا في الصميم من حياتنا من الدستور الجزائري هو نصُّه على إلغاء نظام الحكم العسكري في الجنوب، وتفويضُه الأمر إلى المجلس ليختار له نظامه الجديد، وسوف يتفاوض المجلس في ذلك في دورته المقبلة، كما نظنُّ؛ هنا يدقُّ موقفنا، فنحتاج إلى كثير من اليقظة والانتباه والحدز، وإلى تدقيق الملاحظة في كلِّ مادَّة ممَّا يُسَنُّ من النظام الجديد، حتى نستطيع التوفيق بين النظام المشترك وبين الخصائص والمميزات، ويكون بينهما تلاؤم وانسجام".

نرى في هذه الفقرة من الخطاب دعوة الشيخ الصريحة إلى المشاركة والمزاحمة في كلِّ المجالس السياسية الوطنية والمناصب التي نجلب منها الفائدة للبلاد والأمة، وهي فُرص ثمينة ينبغي لا نضيِّعها فنبقى غرباء متفرِّجين، يَسُنُّ غير المخلصين وغير الأكفَّاء قوانين تضرُّنا دينا واجتماعًا ووطنًا لأننا تركنا لهم المجال لفعل ذلك.

قال الشيخ: "إنَّنا وطنيون جزائريون! لسنا أجانب كما يدَّعي بعض المتهوِّسين، فلا يمكننا أن ننفصل عن إخواننا في النظم العامة المشتركة، ولا أن نتحلل أو نذُوب ونتنازل عن الخصائص والمميزات، على أنَّ للوطن حقوقًا مشتركة يساوى فيها أبناؤه وإن اختلفت مذاهبهم. إنَّ لنا خصومًا أقوياء من ذوي السلطان وضعت الأقدار مقدَّراتنا بين أيديهم، فعلينا أن نعلم أننا لا ننال منهم شيئًا إلاَّ بالحكمة والتبصُّر والأناة والديبلوماسية، والمرونة السياسية، وعلينا أن نعلم أنَّ سياسة "زم حقائبك واخرج" سياسة خرقاء غير رشيدة، إنَّ أوانها لم يحن بعد! وأنَّ سياسة الانزواء والانكماش "وأننا نريد أن نبقى على ما نحن عليه في كلِّ شيء" سًفًهٌ في العقل وأَفَنٌ في الرأي".

النقطة الثامنة:

لقد انتُخب الشيخ بيُّوض نائبًا في المجلس الجزائري ـــ كما أسلفنا ـــ فما هي في نظره مسؤولية النائب؟ ولنقس عليها مهمَّة كلِّ مُنتخب من طرف شعبه، ولأيِّ عضوية كانت. يقول الشيخ:

٢٦ / ٢٢١