الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية
الجزء ١ · صفحة ٥٢ــــ طابعا جديدا على الحياة الثقافية والاجتماعية في الجزائر، وزادها نشاطا زيارة الشيخ محمد عبده، وانعقاد مؤتمر المستشرقين، واصطبغت باللون السياسي بإقرار التجنيد الإجباري على الشبان الجزائريين سنة 1912 حيث احتدم النقاش حول هذا القانون بين ألوان الطبقة المثقفة من أبناء الجزائر، بين مؤيد بشروط ومعارض بإطلاق (11).
وعلى الجانب الآخر من الحدود الشرقية كانت تونس تشهد نهضة تعليمية ناجحة بتأسيس مدرسة الشيخ بشير صفر سنة 1907، تلتها مدرسة السلام، وكلتا المدرستين كانت حديثة الطراز وتدرس مختلف العلوم (12).
لقد تحمس بعض الجزائريين، وأخذتهم الغيرة على الهوية الجزائرية المستهدفة باستهداف الإسلام ولغة القرآن، فأسسوا أول مدرسة قرآنية عصرية حرة في تبسة سنة 1913 (13).
لقد كان أحد رواد هذا المشروع هو الشيخ عباس بن حمانة الذي ترأس جمعية خيرية باسم (الجمعية الصديقية الخيرية للتربية الإسلامية والتعليم العربي والإصلاح الاجتماعي) وتولى أمانة المال الشيخ الحاج عمر العنق، وكان أخوه الشيخ الحاج بكير العنق أحد أعضائها النشطين. (14)
ويصف محمد علي دبوز المدرسة الصديقية هذه، نقلا عن أحد مؤسسيها الشيخ الحاج بكير العنق، وأحد تلامذتها السيد الصديق السعدي، ونقلا كذلك عن صحيفة (الصديق)، بأنها كانت تحتوي على مكتبة وصيدلية ومطبخ، وبكونها ذات أربعة طوابق تبرع بها للجمعية السيد الحاج بكير بن عمر المرموري.
وأما عن منهاجها التعليمي فكان حديثا يشمل مواد القرآن والتربية الإسلامية والأخلاق والتاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الجزائر وكذا الجغرافيا والمواد الرياضية إلى جانب الرياضة البدنية واللغة الفرنسية. وينص برنامج المدرسة على ثماني سنوات مدة للدراسة.
ومن حق التلاميذ القادمين من بعيد ــــ في نظام هذه المدرسة ــــ الاستفادة من إقامة داخلية على أن يدفع التلميذ مبلغا ماليا بسيطا، ويجمع قانون داخلي مطبوع في تونس البنود التنظيمية لهذه المدرسة (15).
وسرعان ما تراجعت السلطات الفرنسية عن إرخائها الحبل فشدت الخناق من جديد، فأصدرت الأمر بغلق المدرسة بعد ستة أشهر من فتحها، وحل الجمعية الخيرية صاحبة المبادرة، ونفت المعلمين وشردت التلاميذ وسجنت رئيس الجمعية، ثم أمرت بتصفيته بعد إطلاق سراحه بضربة فأس على أم رأسه. (16)
ويَعتبِر مالك بن نبي الذي نشأ في تبسة أن عباس بن حمانة هو أول جزائري عمل على بعث اللغة العربية في البلاد (17) في حين يصفه دبوز نقلا عن الحاج بكير العنق بكونه شخصا جديرا بأن يكون رجل دولة، وبأنه نظير الشيخ عبد العزيز الثعالبي في تونس لو ساعدته الظروف. وقد لقي