الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية
الجزء ١ · صفحة ٥٤العربية والفرنسوية مع حفظ القرآن الكريم، فاصطفوا بنظام، وشنفوا أسماع الحاضرين بالأناشيد الوطنية والمدرسية، وتحاوروا بالمناظرة السيفية القلمية، كل ذلك باللغة الفصحى والألسن الذلقة، والجأش الثابت، فرأينا منهم أهلة توشك أن تكون أقمارا، وغروسا طيبة توشك أن تجنى ثمارا، وكنت أنا إزاء ذلك بين عاملين متناقضين؛ عامل سرور وأمل بمن أرى من بني ملتنا ووطننا، من تلك الشبيبة المتنورة بأنوار العلوم، وعامل حزن وأسف من حالة أبنائنا الآخرين الذين منهم من أهملهم آباؤهم فقتلهم الجهل، والتهمتهم الشوارع وأهلكتهم المفاسد والمنكرات، ومنهم من تعلموا وأهملوا حتى المبادئ الدينية، وحرموا اللغة العربية لغة الجنس والدين، لغة الآباء والأجداد» (26).
وإضافة إلى ما كان يدرس التلاميذ في المدارس الأهلية التونسية، فإن دروسا وحصصا إضافية كانوا يتلقونها في دار البعثة، ففي مادة القرآن كان يتولى التدريس في بداية العشرينيات الشيخ الفقيه علي بن يعقوب النفوسي. وفي الحديث كانوا يتلقون الأربعين النووية للنووي، وفي العقيدة متن التوحيد الذي عرَّبه أبو حفص عَمرُو بن جُميع (27) مع شرحه، ويتولى ذلك رئيس البعثة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، كما يتناولون بالحفظ متن الآجرُومية وألفية ابن مالك في النحو وأرجوزة الرحبية في علم الميراث (28).
ولدى عودة أبى اليقظان إلى الجزائر في سنة 1925 استخلف السيد قاسم بن الحاج عيسى على البعثة، ليتفرغ أبو اليقظان لمشروعه التاريخي في مجال الصحافة العربية الحرة (29).
وتواصلت البعثات المزابية إلى تونس بين الحربين وازدادت توسعا في عدد الملتحقين بها بفعل النتائج العلمية التي كان يتحصل عليها الطلبة هناك فيخبرون زملاءهم في الجزائر، وكذلك بفعل مشاركة المزابيين في الحياة السياسية بتونس خاصة في الحزب الحر الدستوري برئاسة عبد العزيز الثعالبي، وكذا بفعل المساهمة في النشاط الأدبي التونسي، فلم يقتصر حينئذ الأمر على المزابيين بل شمل مناطق مختلفة مع التفاوت في الدرجات (30).
وبعد نشأة معهد الحياة بالقرارة بمزاب في سنة 1925م الذي يشمل المرحلة الإعدادية والثانوية فكر مسؤولوه وعلى رأسهم الشيخ بيوض والشيخ عدون إرسال بعثة إلى تونس لمواصلة الدراسة. ويذكر محمد علي دبُّوز أنه كان أول تلاميذ البعثة عن هذا المعهد، ثم إنه ترأس بعثته سنة 1942، فأخذت الدفعات تلحق بتونس في السنوات التالية (31).
ورغم قساوة الظروف التي طبعت سنوات الحرب العالمية الثانية، وكانت تونس أحد ساحاتها فقد ظل الطلبة يغامرون بالسفر إلى هناك فكان منهم محمد لعساكر، وصالح الخرفي، وعلي يحيى معمر النفوسي الليبي الذي درس بالمعهد المذكور. وهكذا استطاع معهد الحياة أن يواصل مسيرة الشيخ اطفيش التعليمية ويربط الحركة التعليمية العصرية في مزاب بمثيلتها في الجزائر وتونس والمشرق (32).