مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٥٥

ولما كثر التلاميذ والطلبة في سائر مدن وادي مزاب، وعاد العديد من خريجي المعاهد التونسية، فكر المصلحون وشرعوا في تأسيس جمعيات خيرية تتولى أمر التربية والتعليم، فتأسست لذلك جمعيات في كل قرية منظمة حسب ما هو معروف من قانون أساسي ومجلس إدارة وأعضاء مشتركين وانتخابات دورية لأعضاء الإدارة ومكتبها، إلا أنها كانت سرية، أي أنها لم ترسم نفسها حسب قانون جويلية 1901 خوفا من تدخل السلطة الحاكمة في شؤونها بمالها من حق المراقبة والتفتيش (33).

لقد تأسست هذه الجمعيات سرا، ثم اقتضت ظروف أخرى أن تعلن عن نفسها فاعتمدت جمعية الإصلاح بغرداية في 1928، ثم جمعية الحياة بالقرارة سنة 1937 ثم جمعية النهضة بالعطف في 1945 وجمعية النور ببنورة في 1945 فجمعية الاستقامة ببني يزقن سنة 1946 فجمعية الفتح بريان 1947 ثم جميع النصر بملكية في 1960 (34).

المراقبة الفرنسية للحركة الإصلاحية وجمعية العلماء:

أدركت فرنسا أن العلماء قادة هذا الفكر، فبدأوا يعدون لمعركة فاصلة بينهم وبين الفرنسيين، واستيقنت أن مشروعهم يمثل أكبر الخطر على مستقبل فرنسا في الجزائر؛ لأن «مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه هو مدرسة حقيقية للوطنية».

من أجل ذلك راحت فرنسا تسطر خططها، وتنفذ مكرها بشكل مستمر للقضاء على هذا التيار تنظيما وأفرادا، ومن ذلك:

* إغلاق مدارس الإصلاح قبل تأسيس الجمعية مثل المدرسة الصديقية بتبسة في 1914، وبعد تأسيس الجمعية مثل مدرسة الحديث بتلمسان، ولم تكتف فرنسا بغلق المدارس؛ وإنما سجنت العلماء والمدرسين، وحرم التلاميذ من التعليم بغلق المدارس.

* منع العلماء من التجول في الجنوب الجزائري الخاضع للحكم العسكري. وفي هذا السياق كتب ابن باديس محتجا على منشور الحاكم العام الموجه إلى حكام الجنوب بالقبض كل طالب (معلم) منسوب إلى الجمعية وسجنه حال جولانه باسمها أو دعوه إليها. (35)

* منع العلماء من الوعظ والإرشاد في المساجد التي كانت تحت إشرافها وسيطرتها.

* منع جرائد العلماء من الصدور، ابتداءً بجرائد أبي اليقظان الثمانية، إلى جرائد "السنة" و"الشريعة" و"الصراط" (36).

* إنشاء جمعيات منافسة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هذه الجمعيات نذكر جمعية علماء السنة ، وجمعية الزوايا، وغيرهما.

* السعي والضغط لتغيير قيادة جمعية العلماء، مرة بمحاولة إخراج الإمام ابن باديس منها؛ ومرة بمحاولة فرض شخص لقيادة الجمعية بعيد وفاة ابن باديس. ولعل محاولة فرنسا التدخل لفرض رئيس على الجمعية أو إبعاده عنها لم يعرفها أي تنظيم في الجزائر، سوى جمعية العلماء المسلمين

٥٥ / ٢٢١