مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٥٨

ومما سجلته تقارير الأمن الفرنسية أيضا، ما أسمته "بالمفاهيم الوهابية" التي أصبحت متداولة في مدن مزاب بشكل متفاوت الانتشار (49). ولعل المقصود بتلك المفاهيم ما شنته وسائل الدعوة الإصلاحية في هذه الفترة من حملات على الأفكار الخرافية، وتنبيه العامة إلى خطورتها على الدين، والتحذير من التزلف إلى الأضرحة والقبور والقباب ومن التوسل إلى الموتى والتماس نفع الجن (50).

وبالرغم من عدم لزوم الرخصة للتنقل بين بلديات الملحقة العسكرية الواحدة فقد غدا ذلك لازما إذا تعلق الأمر بزمن عصيب على فرنسا مثل سنة1940 إحدى سنواتها الحالكة في غمرة الحرب العالمية الثانية، ويكون الأمر أخطر إذا كان هذا التنقل هو لغرض اجتماع شخصيتين تحملان أفكارا ومشاريع إصلاحية وتحظيان بنفوذ شعبي واسع مثل الشيخ بيوض ابراهيم والشيخ بن يوسف سليمان بن الحاج داود. فعلى إثر سفر هذا الأخير إلى القرارة أرسلت السلطات الفرنسية قوة على إثره وألقت القبض عليهما، فلما حضرا أمام حاكم الملحقة بغرداية بحضور قواد مزاب، أثنى باللائمة على القواد لتقصيرهم في "واجب" السهر على أمن الدولة الفرنسية، وأصدر الحاكم أمرا بوضع الشيخ بيوض تحت الإقامة الجبرية ثلاث سنوات في القرارة ونفي الشيخ بن يوسف سليمان إلى قسنطينة لنفس المدة (51).

من الآثار الجانبية للإصلاح:

لقد أنتجت هذه الحركية التي كانت تنشد الإصلاح الاجتماعي والتربوي جملة من الاختلافات في صفوف المجتمع في مزاب بلغت في بعض الأحيان إلى مواجهات عنيفة، فمن تراشقات كلامية إلى معارك إعلامية صاخبة (52)، إلى رسائل الوشاية لدى سلطة الاحتلال (53)، إلى الحظر على بعض الشخصيات البارزة دخول بعض مدن مزاب، وحتى إلى تدبير مؤامرات الاغتيال (54).

كما كانت الاختلافات المتشنجة سببا في «ارتفاع (حالات) الطلاق من جراء ذلك بين الأزواج» (55) حين تختلف العائلات المتصاهرة في مواقفها من هذا التجديد الاجتماعي الذي جعلت منه الحركة الإصلاحية أمرا واقعا.

وطبيعي أن تلعب السلطة الاستعمارية في هذا الشأن دور المضخم والنافخ في الكير والمهول لكل الاختلافات التي تبدو أحيانا غير ذات شأن، لتسود وتتقمص بعد ذلك دور الحكم.

غير أن الإرادات الخيرة في رأب الصرع وتقريب هوة الخلاف وجمع الأطراف للتحاور والتصالح كانت حاضرة دائما، ومن ذلك ما تتبعته بعض التقارير الفرنسية في 15 فيفري 1938 حين دعا بعض أعيان التجار المزابيين في التل إلى لقاء جمع ممثلي القصور السبع في مسجد با عبد الرحمان الكرتي «بهدف عقد الصلح بين حزب الطلبة (العزابة) وحزب بيوض ووضع حد للنزاع القائم» ويضيف التقرير أن عدد الحضور كان قد بلغ حوالي 95 شخصية دون التوصل إلى اتفاق وأعيد

٥٨ / ٢٢١