مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الاستثمار المحلي وسياسة الاعتماد على الذات

الجزء ١ · صفحة ٦٤

بدءًا من أصغر وحدة إدارية؛ متمثلة في القرية أو المدينة إلى أكبر تجمُّع إقليمي لصَدِّ هذا السيل الجارف الذي يمثل تكتَّل الأقوياء، من الأنظمة والمنظمات والشركات الكبرى، الذي لا هدف له إلا مصالحه المادية، ولا يرعى للقيم والأخلاق أيَّ قيمة أو اعتبار.

الصناعة الغذائية: مفتاح التنمية الاقتصادية:

إذا سلَّمنا بالتنمية الاقتصادية كسبيل للنهوض بالأمة، فإنَّ التصنيع هو الوسيلة الأساسية في ذلك، فلا يمكن تحقيق أي رفع لمستوى الحياة أو أية تنمية في بلدان العالم الثالث بدونها، والميزة الكبرى للصناعة أنها تسمح بتجسيد عمل الإنسان طول السنة، وبتوسيع وكثافة الإنتاج بواسطة الآلة التي ما فتئت تتطور جيلا بعد جيل، مع اتباع أساليب فنية، وهي تختلف عن الزراعة التي تتميز بالموسمية، وبطء دورة إنتاجها، مع عدم إمكانية تحديد الكميات المنتجة مسبقا، لكن هذا ليس حجَّة لإهمال الزراعة وإعطاء أولوية للصناعة، كما حصل في أغلب تجارب الدول السائرة في طريق النمو (2).

والواقع أنه يجب إيجاد ترابط وثيق بين التقدم الزراعي والتقدم الصناعي، وإقامة صناعة زراعية تكون القاعدة والمحفزة لحركة التصنيع في مختلف القطاعات. ولنا الشواهد من التاريخ الاقتصادي الذي كان فيه للنشاط الزراعي الدور الفعال في مراحل التنمية المختلفة في كثير من بلدان العالم المتقدمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية خير مثال على ذلك، فقد كانت الزراعة هي القطاع الحيوي والأساسي، فهو المصدر للغذاء والكساء، وعمل على زيادة الإنتاج القومي بسلع حقيقية، كما وفَّر وظائف العمل لفئات عريضة من المجتمع، وله الدور الأكبر في تنشيط الحركة التجارية بين الأسواق الداخلية، فأصبحت القوافل تنقل المنتجات الزراعية من الطائف والشام والعراق، وامتدت إلى الأسواق الخارجية للبلدان المجاورة، وأصبح لهذا القطاع دور تمويلي أساسي لخزينة الدولة بالأموال الواردة من وظيفة الخراج التي أقرَّها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) كما شهد النشاط الحرفي ومختلف الخدمات تطوُّرا تُزوِّد هذا القطاع بمختلف الوسائل والمستلزمات.

ولسوء الحظ نلمس حركة مختلفة في تجربة بلدان العالم الثالث المعاصرة التي ركزت على الصناعة وأهملت الزراعة، فلم يتحقَّق أي تقدم في الريف، فنتج عنه هروب الفائض السكاني الذي لا تستوعبه الحقول من الحياة الريفية باتجاه التجمعات السكانية في المدن، وأصبح هؤلاء عاطلين عن العمل بشكل دائم، يفتقرون إلى أية قدرة شرائية، ويستتبع هذه الحالة ضرورة استيراد الغذاء، الذي كان من الإمكان توفيره ذاتيا مما تنتجه الحقول المهجورة، والطاقات المعطلة، مما يتطلب توفير أرصدة هامَّة من العملة الصعبة.

التجربة الجزائرية في التنمية الاقتصادية:

تبنت الجزائر من سنة 1967 استراتيجية التصنيع، التي تستهدف تعزيز الاستقلال الوطني وتحسين

٦٤ / ٢٢١