الاستثمار المحلي وسياسة الاعتماد على الذات
الجزء ١ · صفحة ٦٦الأساسية، في حين أنها كانت سلَّة أوروبا من هذه المواد أثناء وقبل الاحتلال الفرنسي؟.
فالخلل يكمن في التسيير، وأسلوب تعبئة الموارد المتاحة. وبالمقابل نجد تصاعد حجم الواردات من المواد الغذائية، بوتيرة متزايدة، تلتهم مزيدا من الموارد الوطنية من العملة الصعبة، التي كان بالإمكان توفيرها لاقتناء الاحتياجات التي لا يمكن إنتاجها محليا.
تجربة بلدية القرارة في الاستثمار المحلي:
تعد بلدية القرارة ثاني وأهم بلدية بتراب ولاية غرداية، تتربع على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 3760 كلم2، يبلغ عدد سكانها حوالي 58226 نسمة، بكثافة سكانية بـ 48.15 نسمة/كلم2، ونمو ديمغرافي يقدر بـ 4.3 %، وبموقعها الاستراتيجي الهام تشكِّل همزة وصل ومفترق الطرق تربط بين ولايات الشمال والجنوب، وولايات الشرق والغرب، وبميزة الطابع الفلاحي؛ بمساحة فلاحية شاسعة صالحة للزراعة تقدر بـ 16000 هكتار، وعلى موارد مائية جوفية وسطحية هامَّة، وبمنطقة صناعية قابلة للتوسع (8).
كل هذه العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية تقدم إمكانيات هامة لنهضة اقتصادية.
وقد ركزت في هذه الورقة على الزراعة والصناعة الزراعية بمفهومها الواسع الذي يشمل الثروة الحيوانية، مع عدم إهمال الصناعة التحويلية القائمة بالقرارة منذ نشأة حركة التصنيع في أواخر الستينيات من القرن الماضي، والتي تساهم بقسط وافر من الدخل المحلي وتوفير مناصب الشغل. غير أن الزراعة والصناعة الزراعية لها بعد استراتيجي، وتراثي تاريخي لارتباطها بالأرض، واعتمادها على عناصر ومواد محلية، وتقوم بتوفير أساسيات الحياة الإنسانية، وأن تنميتها يقطف ثمارها الجميع، وعلى رأسهم الفلاحون وعمَّال الأرض، وقد اخترت ثلاث نماذج لهذا الاستثمار:
1 - الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها.
2 - الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية.
3 - الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمُّع الخرفي، سعد الله).
النموذج الأول:
الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها:
كان اقتصاد مدينة القرارة شأنها شأن مدن وقرى وادي مزاب، -ولعدة قرون - قائما على زراعة النخيل، فهو محور النشاط العمراني، فسرى المثل الشعبي «أَغَرْمْ يُلِيْدْ أَسْتَزْدَايْتْ» أي: العمران قائم على النخلة، ثم تغيرت المعطيات بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، فتراجع دور النخلة، فأصبح لا يشكل إلا نسبة 15% إلى 20% من اقتصاد البلدة (9).
ومع دخول الجزائر مرحلة التصنيع في أوائل السبعينيات من القرن الماضي فكرت مجموعة من رجال الأعمال في القطاع الخاص، بإنشاء وحدة لتكييف التمور فقد اقتبس أصحابها الفكرة من دولة