مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

منهج التخريج العلمي للحديث

الجزء ١ · صفحة ٩٢

نفهم من هذين النصين؛ شدة ملازمة الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة، إذ لا يكون أثبت الناس فيه إلا إذا لازمه طويلا، حتى يتقن أحاديثه من تكرار سماعها منه.

*-بل قد أورد البخاري في تاريخه نصا للحميدي ذاته، يحدد فيه مدة ملازمته لشيخه، «قال: جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها» (63).

*-فهذه النصوص - ببيانها للضبط الخاص - كافية لأن تعتبر مستندا لترجيح رواية البخاري؛ باعتبارها ثابتة على رواية ابن ماجه؛ باعتبارها شاذة أو منكرة.

(2) مستند الترجيح الثاني:

ملابسات الرواية:

يعتبر النقاد في دراستهم للعلة ملابسات وقرائن عدة تحتف بالرواية؛ ومن بينها (قرينة العدد): عدد الرواة الموافقين مقارنة بمن خالفهم (64)، ويسمى ذلك في مصطلحهم بالمتابعات والشواهد؛ وعلى ضوئها يرجحون - أحيانا - رواية الأكثرية الملازمة لشيخها؛ على الأقلية المخالفة لها.

- بالنسبة لحديثنا … كيف أنّ كل الطرق المتفرعة عن قتادة - وفيها من الحفاظ من له طول ملازمته لشيخه - تروي الحديث بدون الزيادة؛ إلا واحدا (هشام بن عمار) يتفرد عنهم بالزيادة؟! فهذا دليل خطأ هشام، إذ لو ثبتت الزيادة؛ لسمعها ونقلها من هو أثبت منه.

خامسا: بعد وقوفنا على العلة في سند ابن ماجه عن هشام؛ وهي من نوع الإدراج؛ تتساءل الآن ما سبب هذه العلة، أو وهم هشام في حديثه؟

والجواب أنَّ هشامًا؛ اختلط عليه الأمر فأدخل حديثا في حديث آخر، وجعلها حديثا واحدا - وَهْمًا منه - إذ أدرج في حديث أبي هريرة طرفا من حديث ابن عباس؛ قال ابن حجر: «وقد وقع في رواية هشام بن عمار عن ابن عيينة عن مسعر في هذا الحديث بعد قوله (أو تكلم به) وما استكرهوا عليه، هذه الزيادة منكرة من هذا الوجه، وإنما تُعرف من رواية الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد أخرجه ابن ماجه عقب حديث أبي هريرة من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي؛ والحديث عند هشام بن عمار عن الوليد، فلعله دخل له بعض حديث في حديث» (65).

- هذا وإن دراسة هذا السند المعلول؛ إنما هو توضيح لمسألة العلة فحسب؛ - كما ذكرنا - إذ أن سند البخاري الذي بحثناه قد سلم من التعليل، وعليه ننتقل إلى آخر خطوة في التخريج العلمي وهي:

الخطوة الثالثة: الحكم على الحديث:

*-الحكم على الحديث هو المقصد الأصلي من كل إجراءات التخريج، فهو تلخيص للأحكام التي سبق استنتاجها في المراحل السابقة.

وقد دَرَج المحدثون على تقسيم الحديث من حيث قوته إلى ثلاث مراتب:

٩٢ / ٢٢١