خطبة الحجاج حين قدم أميرا على العراق
الجزء ١ · صفحة ١٠٢إني والله يا أهل العراق، ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عوداً. وأصلبها مكسراً، فرماكم بي. لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقدالضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. والخوف بما كانوا يصنعون. وإنى والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة. وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين.
فقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلامٌ عليكم " فلم يقل أحد منهم شيئاً، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال : أسلم عليكم أمير المؤمنين، فلم تردوا عليه شيئاً هذا أدب ابن نهية أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: " سلامٌ عليكم " لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام.
ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبراً، فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابنٌ هو أقوى على الأسفار مني فتقلبه بدلاً مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا قال: هذا عمير بن ضابئ البرمجي الذي يقول أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني … تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل الشيخ على عثمان مقتولاٌ فوطىء بطنه، هلا فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال ردوه ! فلما رد قال الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلاٌ يوم الدار! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحاٌ للمسلمين :يا حرسي، اضربن عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل، ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىءٍ … عميراٌ وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسفٍ نجاؤك منهما … ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السوق أو هي أقربا
قوله: " أنا ابن جلا " ، إنما يريد المنكشف الأمر، ولم يصرف " جلا " لأنه أرادالفعل فحكى، والفعل إذا كان فاعله مضمراٌ أو مظهراٌ لم يكن إلاحكاية، كقولك: تأبط شرأ، وكماقال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها … بني شاب قرناها تصر وتحلب
وتقول: قرأت: " اقتربت الساعة وانشق القمر " القمر 1 لأنك حكيت، وكذلك الابتداء، تقول : قرأت: " الحمد لله رب العلمين " الفاتحة 2 0 وقال الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه
وقوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
لسحيم بن الرياحي، وإنما قاله الحجاج متمثلاً. وقوله: " وطلاع الثنايا " الثنايا: جمع ثنيةو الثنية: الطريق في الجبل. والطريق في الرمل يقال له: الخل، وإنما أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، كما قال دريد بن الصمة يعني أخاه عبد الله:
كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه … بعيد من السوءات طلاع أنجد
والنجد: " ما ارتفع من الأرض، وقد مضى تفسير هذا.
وقوله: " إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت " ، يريد أدركت، يقال : أينعت الثمرة إيناعاٌ وينعت ينعاٌ، ويقرأ : " انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه " الأنعام 99 و " وينعه " كلاهما جائز.
قال أبو عبيدة: هذا الشعر يختلف فيه، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. قال أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية وهو:
ولها بالماطرين إذا … أكل النمل الذي جمعا
خرفة حتى إذا ربعت … سكنت من جلقٍ بيعا
في قباب حول دسكرةٍ … حولها الزيتون قد ينعا
قال أبو الحسن: أول هذه الأبيات :