الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

نبذ من أقوال الحكماء

الجزء ١ · صفحة ٤٦

اتدع: افتعل من التوديع، والأصل " اوتدع " فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا القول مذهب أهل الحجاز يقولون: ايتزن ياتزن، وهو رجل موتوزنٌ، والأجود أن تقلب ماكان أصله الواو والياء في باب " افتعل " تاءً وتدغمها في التاء من " افتعل " فتقول: اتدع يتدع، وهو متدعٌ، ومتزن ومتعد من الوعد، ومتئس من اليأس، تكون الياء كاواو، لأنها إن أظهرت انقلبت على حركة ما قبلها فصارت كاواو، وتكونان واوين عند الضمة، نحو موعدٍ وموتعدٍ، ومؤنسٍ ومؤتئسٍ، وياءين للكسرة، والواو قد تقلب إلى تاء ولا تاء بعدها، نحو تراث من ورث، وتجاه من الوجه وتكأةٍ. وإنما ذلك كراهية الضمة في الواو، وأقرب حروف الزوائد والبدل منها التاء فقلبت إليها، وقد تقلب للبدل في غير ضم، نحو:هذا أتقى من هذا، وضربته حتى أتكأته، فلما كانت بعدها تاء افتعل كان الوجه القلب ليقع الإدغام. وقد فسرنا هذا على غاية الاستقصاء في الكتاب " المقتضب " .

وقيل للمهلب بن أبي صفرة: ما خير المجالس فقال؛: ما بعد فيه مدى الطرف، وكثرت فيه فائدة الجليس.

ويروى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني، إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الإسلام ثم اجلس فإن أفاضوا في ذكر الله: فأجل سهمك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غير فخلهم وانهض وقوله: " فارمهم بسهم الإسلام " يعني السلام. وقوله: " فأجل سهمك مع سهامهم " ، يعني أدخل معهم في أمرهم، فضربه مثلاً، من دخول الرجل في قداح الميسر.

وقال وهب بن عبد مناف بن زهرة جد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمه:

وإذا أتيت جماعةٌ في مجلسٍ … فاختر مجالسهم ولما تقعد

ودع الغواة الجاهلين وجهلهم … وإلى الذين يذكرونك فاعمد

وقال ابن عباس رحمه الله: لجليسي علي ثلاثٌ: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدث.

وكان القعقاع بن شورٍ، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل إذا جالسه جليسٌ فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيباً في ماله وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكراً له، حتى شهر بذلك. وفيه يقول القائل:

وكنت جليس قعقاع بن شور … ولا يشقى بقعقاع جليس

ضحوك السن إن أمروا بخير … وعند السوء مطراقٌ عبوس

وحدثني التوزي أن رجلاً جالس قوماً من بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فأساؤوا عشرته، وسعوا به إلى معاوية، فقال:

شقيت بكم وكنت لكم جليساً … فلست جليس قعقاع بن شور

ومن جهل أبو جهلٍ أخوكم … غزا بدراً بمجمرةٍ وتور

نسبه إلى التوضيع، كقول عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف لحكيم بن حزام لما بلغه قول أبي جهل بن هشام: انتفخ والله سحره ونحره، سيعلم مصطر استه من انتفخ سحره اليوم!

يزيد بن معاوية و الأنصار

وقال رجل من بني مخزوم للأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري ليؤذيه: أتعرف الذي يقول:

ذهبت قريشٌ بالمكارم كلها … واللؤم تحت عمائم الأنصار

فقال الأحوص: لا أدري، ولكني أعرف الذي يقول:

الناس كنوه أبا حكم … والله كناه أبا جهل

أبقت رياسته لأسرته … لؤم الفروع ودقة الأصل

وهذا الشعر لحسان بن ثابت، والبيت الذي أنشده المخزومي للأخطل. وكان يزيد بن معاوية عتب على قوم من الأنصار، فأمر كعب بن جعيل التغلبي بهجائهم، فقال له كعبٌ: أأهجو الأنصار! أرادي أنت إلى الكفر بعد الإسلام! ولكني أدلك على غلام من الحي نصراني: كأن لسانه لسان ثورٍ يعني الأخطل.

قال: فلما قال هذا البيت دخل النعمان بن بشير بن سعدٍ الأنصاري على معاوية، فحسر عمامته عن رأسه، ثم قال: يا معاوية، أترى لؤماً! فقال: ما أرى إلا كرماً. فقال النعمان:

معاوي إلا تعطنا الحق تعترف … لحي الأزد مسدولاً عليها العمائم

أيشتمنا عبد الأ راقم ضلةً … فماذا الذي تجدي عليك الأراقم!

فما لي ثأر دون قطع لسانه … فدونك من ترضيه عنه الدراهم

نبذ من أقوال الحكماء

٤٦ / ٣٣٦