الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

باب

الجزء ١ · صفحة ٤٥

ثم أقسم عمرو بن هند ليحرقن منهم مائة، فبذلك سمي محرقاً، فأخذ تسعة وتسعين رجلاً فقذهم في النار، ثم أراد أن يبر قسمه بعجوز منهم لتكمل بها العدة، فلما أمر بها قالت العجوز: ألا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه ! ثم قالت: " هيهات صارت الفتيان حمماً " ! ومر وافد البراجموهو الذي ذكرنا - فاشتم رائحة اللحم، فظن أن الملك يتخذ طعاماً، فعرج إليه فأتي به إليه، فقال له: من أنت؟ فقال: ابيت اللعن ؟ أنا وافد البراجم، فقال: " إن الشقي وافد البراجم " . ثم أمر به فقذف في النار، ففي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق:

أين الذين بنار عمرو حرقوا … أم أين أسعد فيكم المسترضع!

وقال أيضاً:

وأخزاكم عمرو كما قال قد خزيتم … وأدرك عماراً شقي البراجم

وقال الطرماح:

ودارم قد قذفنا منهم مائةً … في جاحم النار إذ ينزون بالخدد

ينزون بالمشتوى منها ويوقدها … عمرو، ولولا شحوم القوم لم تقد

ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام، يعني لطمع البرجمي في الأكل. قال يزيد بن عمرو بن الصعق أحد بني عمرو بن كلاب :

ألا أبلغ لديك بني تميم … بآية ما يحبون الطعاما

وقال الأخر:

إذا ما مات ميتٌ من تميم … فسرك أن يعيشك فجىء بزاد

بخبر أو بتمر أو بلحم … أو الشيء الملفف في البجاد

تراه ينقب البطحاء حولاً … ليأكل رأس لقمان بن عاد

وقوله : " للمرء ذي الطعم " يعني الراجع إلى عقل، يقال : ليس فلان بذي طعم، و فلان ليس بذي نزل، أي ليس بذي عقل ولا معرفة، وإنما يقال: هذا طعام ليس له نزل إذا لم يكن ذا ريع، ومن قال: " نزل " في هذا المعنى فقد أخطأ.

لأعرابي يهجو قوماً من طيىء

وقال أعرابي يهجو قوماً من طيىء:

ولما أن رأيت بني جوين … جلوساً ليس بينهم جليس

يئست من التي أقبلت أبغي … لديهم إنني رجل يؤوس

إذا ما قلت :أيهم لأي … تشابهت المناكب والرؤوس

قوله: " جلوساً ليس بينهم جليس " ، يقول : هؤلاء قوم لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجاء.

ومن أمثال العرب: " سمنهم في أديمهم " ، ومعناه في مأدومهم، وقيل: أديهم ومأدوم مثل قتيل و مقتول، وتقول الحكماء: من كثر خيره كثر زائره.

وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني، إذا غدا عليكم الرجل وراح مسلماً، فكفى بذلك تقاضياً.

وقال آخر:

أروح لتسليم عليك وأغتدي … وحسبك بالتسليم مني تقاضياً

كفى بطلاب المرء ما لا يناله … عناء، وباليأس المصرح ناهياً

قال أبوالحسن: وربما قال أبو العباس: " مصرح " بكسر الراء ومن أحسن المدح قول زهير:

قد جعل الطالبون الخير في هرم … والسائلون إلى أبوابه طرقاً

وقال رؤبة:

إن الندى حيث ترى الضغاطا

وقال آخر:

يزدحم الناس إلى بابه … والمشرب العذب كثير الزحام

وقال أشجع في محمد بن منصور:

على باب ابن منصور … علامات من البذل

جماعات وحسب البا … ب نبلاً كثرة الأهل

وقوله:

تشابهت المناكب و الرؤوس

إنما ضربه مثلاً للأخلاق و الأفعال: أي ليس فيهم مفضل.

ويقال إن الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، آذته عشيرته من بني سعد، فخرج عنهم، فجعل لا يجاور قوماً إلا آذوه فقال: " أينما أذهب ألق سعداً " أي أفر من الأذى إلى مثله.

باب

أقوال في المجالس و الجلساء قال أبو العباس: قال أبو إدريس الخولاني: المساجد مجالس الكرام. وقيل للأحنف بن قيس أحد بني مرة بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعدٍ: أي المجالس أطيب؟ فقال : ما سافر فيه البصر، واتدع فيه البدن.

٤٥ / ٣٣٦