الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

جواب علي بن أبي طالب لمعاوية

الجزء ١ · صفحة ٨٨

وبعد، فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي. وأما تمييزك بينك وبين طلحة والزبير وأهل الشام وأهل البصرة، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواءٌ، لأنها بيعةٌ شاملة، لا يستثنى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النظر. وأما شرفي في الإسلام، وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعي من قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته " .

ثم عاد النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له: إن ابن جعيلٍ شاعر أهل الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجب الرجل، فقال: ياأمير المؤمنين، أسمعني قوله، قال: إذاً أسمعك شعر شاعرٍ، فقال النجاشي يجيبه:

دعاً يا معاوي مالن يكونا … فقد حقق الله ما تحذرون

أتاكم عليٌ بأهل العراق … وأهل الحجاز فما تصنعونا

وبعد هذا ما نمسك عنه.

قوله: " ليسي له بصر يهديه " ،فمعناه يقوده، والهادي: هو الذي يتقدم فيدل، والحادي: الذي يتأخر فيسوق، والعنق يسمى الهادي لتقدمه، قال الأعشى:

إذا كان هادي الفتى في البلا … د صدر القناة أطاع الأميرا

يصف أنه قد عمي فإنما تهديه عصاً، ألا تراه يقول:

وهاب العثار إذا ما مشى … وخال السهولة وعثاً وعورا

وقال القطامي:

إني وإن كان قومي ليس بينهم … وبين قومك إلا ضربة الهادي

وقال أيضاً:

قربن يقصون من بزل مخيسة … ومن عرابٍ بعيداتٍ من الحادي

وقوله: " ولا قائد يرشده " قد أبان به الأول.

وقوله: " دعاه الهوى " فالهوى من " هويت " مقصور، وتقديره " فعل " ، فانقلبت الياء ألفاً، فلذلك كان مقصوراً، وإنما كان كذلك لأنك تقول: هوي يهوى، كما تقول: فرق يفرق وهو هو، كما تقول: هو فرق، كما ترى، وكان المصدر على " فعل " ، بمنزلة الفرق والحذر والبطر. لأن الوزن واحد في الفعل واسم الفاعل، فأما الهواء، من الجو فمدود، يدلك على ذلك جمعة إذا قلت: أهويةٌ، لأن أفعله إنما تكون جمع فعالٍ و فعالٍ و فعولٍ و فعيل، كما تقول قذالٌ وأقذلةٌ وحمار وأحمرةٌ، فهواءٌ كذلك، والمقصور جمعه أهواء فاعلم، لأنه على فعل، وجمع فعل أفعالٌ كما تقول: جمل وأجمال وقتب وأقتاب، قال الله عز وجل: " واتبعوا أهواءهم " محمد: 14. وقوله هذا هواء يا فتى في صفة الرجل إنما هو ذمٌ، يقول: لا قلب له، قال الله عز وجل: " وأفئدتهم هواء " إبراهيم: 43 أي خالية، وقال زهير:

كأن الرحل منها فوق صعلٍ … من الظلمان جؤجؤه هواء

وهذا من هواء الجو، قال الهذلي:

هواءٌ مثل بعلك مستميتٌ … على ما في وعائك كالخيال

وكل واو مكسورة وقعت أولاً فهمزها جائز ينشد: " على ما في إعائك " ، ويقال: وسادةٌ وإسادةٌ وشاحٌ وإشاحٌ.

وأما قوله: " فما أنت وعثمان " فالرفع فيه الوجه لأنه عطف اسماً ظاهراً على اسم مضمر منفصل وأجراه مجراه، وليس ههنا فعل، فيحمل على المفعول، فكأنه قال: فما أنت وما عثمان، هذا تقديره في العربية، ومعناه لست منه في شيء، قد ذكر سيبويه رحمه الله النصب وجوزه جوازاً حسناً وجعله مفعولاً معه، وأضمر كان من أجل الاستفهام، فتقديره عنده: ما كنت و فلاناً. وهذا الشعر كما أصف لك ينشد:

وأنت امرؤ من أهل نجدٍ وأهلنا … تهامٍ وما النجدي والمتغور

وكذلك قوله:

تكلفني سويق الكرم جرمٌ … وما جرمُ وما ذاك السويق

فإن كان الأول مضمراً متصلاً كان النصب، لئلا يحمل ظاهر على مضمر، تقول: ما لك وزيداً وذلك أنه أضمر الفعل، فكأنه قال في التقدير: وملابستك زيداً، وفي النحو تقديره: مع زيد. وإنما صلح الإضمار لأن المعنى عليه إذا قلت: ما لك وزيداً فإنما تنهاه عن ملابسته، إذا لم يجز " وزيدٍ " وأضمرت لأن حروف الاستفهام للأفعال، فلو كان الفعل ظاهراً لكان على غير إضمار، نحو قولك: ما زلت و عبد الله حتى فعل، لأنه ليس يريد: ما زلت ومازال عبد الله، ولكنه أراد: وما زلت بعبد الله. فكان المفعول مخفوضاً بالياء، فلما زال ما خفضه وصل الفعل إليه فنصبه، كما قال تعالى: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " الأعراف 155، فالواو في معنى مع، وليست بخافضة، فكان ما بعدها على الموضع، فعلى هذا ينشد هذا الشعر:

٨٨ / ٣٣٦