الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث السواقط

الجزء ١ · صفحة ٩٦

فيكتب له على سهم أو غيره: " فلان جار فلان " والسواقط: من ورد اليمامة من غير أهلها، وقد كان النعمان بن المنذر أراد أن يجليهم منها، فأجارهم مرارة بن سلمي الحنفي.

ثم أحد بني ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فسوغه الملك ذلك، فقال أوس بن حجرٍ يحض النعمان عليه :

زعم ابن سلمي مرارة أنه … مولى السواقط دون آل المنذر

منع اليمامة حزنها وسهولها … من كل ذي تاجٍ كريم المفخر

وذكر أبو عبيدة أن رجلاً من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب قدم اليمامة، ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلمى أنه له جار وكان أخو هذا الكلابي جميلاً فقال له قرين، أخو عمير: لا تردن أبياتنا بأخيك هذا، فرآه بعد بين أبياتهم، فقتله.

قال أبو عبيدة: وأما المولى فذكر أن قريناً أخا عميرٍ كان يتحدث إلى امرأة أخي الكلابي، فعثر عليه زوجها فخافه قرين عليها فقله، وكان عمير غائباً، فأتى الكلابي قبر سلمي أبي عمير وقرين فاستجار به وقال : قال أبو الحسن الأخفش، قال أبو العباس: قرينٌ، ووجدته بخط دماذ، صاحب أبي عبيدة قرين.

وإذا استجرت من اليمامة فاستجر … زيد بن يربوع وآل مجمع

وأتيت سلمياً فعذت بقبره … وأخو الزمانة عائدٌ بالأمنع

أقرين إنك لو رأيت فوارسي … بعمامتين إلى جوانب ضلفع

حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن … للغدر خائنة مغل الإصبع

فلجأ قرينٌ إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابي دياتٍ مضاعفةً، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك فأبى الكلابي أن يقبل، فلما قدم عمير قالت له أمه وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله، فأبى الكلابي أن يقبل، وقد لجأ قرينٌ إلى خاله السمين بن عبد الله فلم يمنع عميراً منه، فأخذه عميرٌ فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة، وقال للكلابي: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابي، ففي ذلك يقول عمير:

قتلنا أخانا للوفاء بجارنا … وكان أبونا قد تجير مقابره

وقالت أم عمير:

تعد معاذراً لا عذر فيها … ومن يقتل أخاه فقد ألاما

وقوله : " ولم تكن للغدر خائنةً " ، ولم يقل خائناً. فإنما وضع هذا في موضع المصدر والتقدير: ولم تكن ذا خيانة .

وقوله " للغدر " : أي من أجل الغدر، وقال المفسرون والنحويون في قول الله عز وجل: " وإنه لحب الخير لشديد " العاديات8 : أي لشديدٌ: من أجل حب الخير، والخير ههنا: المال، من قوله تعالى: " إن ترك خيراً الوصية " البقرة 180 وقوله " لشديدٌ " : أي لبخيل، والتقدير والله أعلم: إنه لبخيل من أجل حبه للمال، تقول العرب: فلان شديد ومتشدد أي بخيل، قال طرفة :

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد

وقلما يجيء المصدر على فاعل، فمما جاء على وزن " فاعل " : قولهم عوفي عافيةً، وفلج فالجاً، وقم قائماً: أي قم قياماً، وكما قال:

ولا خارجاً من في زور كلام

أي و لايخرج خروجاً، وقد مضى تفسير هذا .

والمغل الذي عنده غلول، وهو ما يختان ويحتجن، ويستعمل مستعاراً في غير المال، يقال: غل يغل كقول الله عز وجل: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " آل عمران161.

ويقال: أغل فهو مغل إذا صودف يغل، أو نسب إليه، ومن قرأ: " وما كان لنبيٍ أن يغل " آل عمران161. فتأويله أن يأخذ ويستأثر، ومن قرأ " يغل " فتأويله على ضربين يكون أن يقال ذلك فيه، ويكون وهو الذي يختار أن يخون، فإن قال قائل كيف يكون التقدير، وقد قال: ما كان لنبي أن يغل فيغل لغيره، وأنت لا تقول ما كان لزيد أن يقوم عمرو؟ فالجواب أنه في التقدير على معنى: ما ينبغي لنبي أن يخون، كما قال: " وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله " آل عمران 145. ولو قلت: ما كان لزيد أن يقوم عمرو إليه لكان جيداً، على تقديرك: ما كان زيدٌ ليقوم عمرو إليه، كما قلنا في الآية .

والإصبع، أفصح ما يقال وقد يقال: أصبع وإصبع وأصبع موضعها ههنا موضع اليد. يقال: لفلان عليك يدٌ، ولفلان عليك إصبعٌ، وكل جيدٌ، وإنما يعني ههنا النعمة.

وأما قوله :

٩٦ / ٣٣٦