تحليل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣وأثناء التقسيم والتحليل ثار الجدل بشدة حول علاقة الصفات بالذات والمصادر الإباضية في هذه المرحلة واصلت المنافحة عما نافح عنه السلف في أن صفات الذات هي عين الذات وإذا علمنا أن الإباضية في هذا الظرف كانوا يعايشون الأشاعرة الذين يعتبرون أن الصفة مغايرة للذات نفهم ما لمسناه في هذه المصادر من حرص على الإلمام بصفات الذات وتحليلها تحليلا تفصيليا بقدر الإمكان لأن الطرف المقابل كثيرا ما يرميهم بالتعطيل كما فعل ذلك مع المعتزلة من قبل والإباضية لا يرون في تحليلهم للقضية تعطيلا وإنما يعتبرونه من باب التنزيه وقد رأينا في تحليل هذه القضية الاستعانة ببعض المصادر الأشعرية التي ترى رأي الإباضية.
والمتأمل في الفكر الاعتزالي والفكر الإباضي في هذا الشأن يدرك بعدهما عن فكرة التعطيل وإنما ألحا على نفي الزيادة والغيرية حتى ينفيا الواسطة عن الله تعالى وإمكانية تصور وجود آخر مع الله تعالى في الأزل كما أن الطرف الآخر الذي يقول بالغيرية أراد بذلك تقريب مفهوم الصفات إلى التصور العقلي.
والحقيقة أنه يصعب أن نلمس بعدا حضاريا دقيقا لتصور الإباضية أن الصفات عين الذات لأن هذا المبحث فكري محض بعيد عن متناول عامة الناس لكن غاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن الافتقار إلى الغير، ومثل هذا المبدأ يجعل الإنسان يستشعر عظمة الله تعالى أكثر فيندفع في تحري الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله تعالى أكثر وليس معنى هذا أن الذي يقول بالغيرية لا يعرف ربه وإنما من المعلوم أن قوة نسبة التنزيه حتى في العبارة تجعل أثرا أبلغ في النفس لكن مهما حاولنا أن ننزل هذه القضية في المحيط الاجتماعي فإنها تبقى من شأن أخص خاصة الأمة ممن فقهوا هذه المفاهيم المجردة حقيقة الفقه.