البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

تحليل قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

لكنك بعد أن يأخذك بهرج هذه التحاليل التي تصير ضربا من المعميات أحيانا ترجع من حيث انطلقت إلى حقيقة عبر عنها أصحاب المختصرات بإيجاز كامل وهي: " ليس منا من يقول إن أسماء الله مخلوقة". (97)

و'ذا استقرت هذه الحقيقة تعود المصادر فتبين أن أسماء الله الحسنى توقيفية في الأصل وإن كان بعضها يجيز استعمال أسماء لم يرد بها التوقيف وذلك حسب المقصد كما نلمس حرصا على تفسير كل هذه الأسماء حسب أسس العقيدة الإباضية ومصادر هذه المرحلة لم تبتكر في ذلك بل أخذت ما جاء عند السلف.

والحقيقة أن هذا الحرص على التفسير له بعيد الأثر في واقع الأمة وهذا ليس خاصا بالإباضية لأن من يدعو الله وهو مدرك لما يقول يتفاعل مع دعائه أكثر مما لا يفقه ما يقول، كما أن مثل هذا الفهم يجعل الإنسان حريصا على أن يتحلى بمعاني هذه الأسماء في مستواها الإنساني طبعا مع الملاحظ أن البيئة الإباضية لم تعرف صورة الأذكار الجماعية بل يغلب عليها طابع الذكر الفردي السري.

ثم إن كتب الأصول تتحول من موضوع الأسماء إلى قضية الصفات وتحرص على أن تميز بين الاسم والصفة لغة واصطلاحا لكن يبقى التمييز ضبابيا نظريا لأن كثيرا من الأسماء هي صفات في نفس الوقت، والمشكلة لا تكمن في التمييز بين الاسم والصفات وإنما تكمن في تعداد الصفات وفي ضبط علاقتها بالذات.

أما بالنسبة إلى التعداد فقد جاءت محاولات متعددة لحشر الصفات ضمن أقسام مختلفة، والمتأمل يلمس أن هذه التقسيمات منهجية استفادت الفرق الإسلامية فيها بعضها من بعض وبعدها الحضاري يتمثل في محاولة الاستيعاب حتى يميز المسلم بين ما يجب أن يوصف به تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز.

٢٥٢ / ٧٤٦