البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

حكم القائلين بالرؤية:

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

وإن كان الفكر الذي يجيز الرؤية يعتمد على طلب موسى فإن الفكر الذي يحيلها ينطلق خاصة من ( لا تدركه الأبصار) ليعتبر النفي أبديا مع ما يدعمه من ( لن تراني) في السياق الآخر ومع اعتبار أن نفي الرؤية من مدائح الله التي لا تكون مدائح إلا بدوامها في الدنيا والآخرة وينتهي الجدل من حيث بدأ فيتمسك كل برأيه ولولا هذا الجدل لاكتفى الناس بأول تفسير للقرآن ولما نمت المدرسة القرآنية مثل هذا النمو والملاحظ أن مراكز الاهتمام في كل السور عند المفسرين تتمثل في ما جاء متشابها وله مساس بالعقيدة أو ما جاء في باب الأحكام من آيات تمس العبادات والمعاملات.

والملاحظ أيضا أن اعتماد المفسرين على التأويل أثر تأثيرا واضحا في علم البلاغة ومعلوم أن الزمخشري قد اعتبر من أئمة العربية والاباضية في هذه المرحلة التي تهمنا خاصة اعتمدوا اعتمادا كليا في باب الرؤية على تحليلاته مع الإحالة على تفسيره بصراحة أما في شأن الآيات الأخرى فلم تكن إلا مكملة للآيات التي اعتبرت أساسية في هذا المبحث.

بقي الاحتجاج بالحديث فإن له بعده الحضاري من البداية بصفة واضحة إذ لئن كان النص القرآني واحدا فإن للحديث مدارس وواضح في هذا الشأن أن الاباضية أقروا أحاديث بنوا عليها معتقدهم لا نجد لها ذكرا في كتب التيار الآخر وكذلك هذا التيار أورد أحاديث في شأن الرؤية في الآخرة لا يقرها الإباضية أو يتأولونها بوجه من الوجوه.

والبعد الحضاري أخيرا يتجلى في حكم هذا الطرف على ذلك فمجيزو الرؤية يعتبرون القائلين بإحالتها أهل بدع وأهواء. والقائلون بنفيها ويهمنا منهم الإباضية يعتبرون القول بثبوت الرؤية اعتمادا على التأويل معصية تجب فيها اللهجة أحيانا وتلين أخرى.

٣٢٢ / ٧٤٦