تحليل مفهوم الكسب
الجزء ١ · صفحة ٤٣٤ثم يفضي به التحليل إلى تقرير ما عبر عنه باختلاف الإضافات وهو شبيه بما رأينا من قبل باختلاف الجهات (35) فيقول:"… فالكسب لا يوجب وجود المقدور ولأجل اتصاف الفاعل بذلك كان مرجعا لاختلاف الإضافات ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا فإن الاتصاف بالقبح بالقصد والإرادة قبيح بخلاف خلق القبيح فإنه لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة بل ربما اشتمل عليهما". (36)
وبعد أن يوضح حكمة الله في الخلق حتى في ما بدا لنا خبيثا يثبت أن الأمر يختلف بالنسبة إلى كسب الإنسان" فإنه قد يفعل الحسن وقد يفعل القبيح فجعلنا كسبه للقبيح بعد ورود النهي عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب" (37) .
وبعد أن يرد على المعتزلة بإثباته إمكانية وقوع المقدور الواحد تحت قدرتين (38) يقول:" لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش واحتجنا في التخلص من هذا المضيق الى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب، وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل كسب، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك الصرف خلق (39) .
ثم يختم بقوله:" وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أن نزيد في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله وإيجاده مع ما للعبد من القدرة والاختيار وإن عبروا عن الفرق بينهما بمثل: الكسب ما وقع بآلة، والخلق ما وقع بلا آلة " (40) .
وبعد أن ميز بين الحركة الإرادية والضرورية للرد على الجبرية تخلص إلى ما يلي:" لا يقال الجبر لازم لكم حيث لم يجعلوا للعبد تأثيرا في أفعاله لأنا نقول بأن الجبر المحظور هو الحسي وأما العقلي وهو سلب الخالقية عن العبد، فهو متوجه على جميع الفرق بل هو محض الإيمان كما أن ما أراده تعالى من العبد لابد من وقعه باختياره فإن الوجوب بالاختيار هو محقق الاختيار لا مناف له" (41) .