تحليل مفهوم الكسب
الجزء ١ · صفحة ٤٤٠إن هذا العرض لنشأة فكرة الكسب وتطورها تدريجيا الى مصطلح تبين أن الفكر الاباضي ظل وفيا لموقف الأئمة الأول الذين أخذوا عن أصحاب الرسول عليه السلام إلا أن الأحداث السياسية، وقد قلبت الأوضاع في القرن الأول هـ/17م من جراء أحداث الفتنة الكبرى التي أسفرت عن معتقدين متناقضين أحدهما مواكب للدولة يفهم القدر على أنه جبر، والثاني معارض للدولة يفهم القدر على أنه فعل العبد فحسب ليبرهن على اغتصاب الحكم من الأمويين ، دفعت بالاباضية إلى إتخاذ موقف معتدل من القضية رغم معارضتهم للحكم الأموي لأن هذا الموقف لا يبرئ ساحة الأمويين ولا يتعارض مع علم الله في الأزل وإرادته وتجلى ذلك صريحا على لسان الربيع ابن حبيب الذي بين أن الخلق من الله والفعل من العبد. (53)
ومهما بدت مواقف الاباضية التي ذكرنا متباينة في الظاهر من الكسب فهي لم تخرج عن هذا النطاق، إذ لم يقل واحد من هؤلاء العلماء لا بالجبر المطلق ولا بالاختيار المطلق، وحتى ما بدا قريبا من الجبر من قول مشائخ جبل نفوسة ما قبل القرن السابع هـ/13م فقد ميزوه عن الجبر وكذلك بالنسبة إلى مشائخ المغرب فإن قالوا بالاختيار فكان ذلك من باب التعبير عن الكسب.
وإن كان التيار الجبري والاعتزالي دفعا الاباضية الى ضرب حجج بعضهم ببعض فإنهم وجدوا في المدارس الأشعرية والماتريدية والشيعية- الزيدية خاصة- أحسن مساندة لبلورة مفهوم الكسب.
والملاحظ أن القضية بقيت في نطاق الصراع الفكري خاصة بعد انقراض المعتزلة واندماجهم في تيارات أخرى ولذلك لا نجد في رسائل الردود لهذه القضية أثرا ، ذلك لأن المحيط الذي يتعايش معه إباضية المغرب أشعري ويغلب عليه الطابع المالكي والكل يقول بالكسب وإن وجدت بعض الفويرقات كما أشرنا إلى ذلك سابقا.