الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق:
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق:
الاستطاعة لغة مصدر استطاع الشيء بمعنى أطاقه وقدر عليه وأمكنه . (11)
والقضية المطروحة في هذا الباب تمس علاقة الاستطاعة بفعل الإنسان، ويحسن أن نمهد للموضوع بنقل المناظرة التي دارت بين إباضي ومعتزلي.
قال كهلان الواصلي لأبي أيوب الاباضي (12) : أتنكر أن الاستطاعة باقية.
فقال أبو أيوب: نعم، وأدعي أنها فانية.
قال كهلان: والله يكذبك إذ يقول: ( فاتقوا الله ما استطعتم) (64 التغابن 16).
فقال أبو أيوب: أرأيت هذه الآية التي تلوت محكمة أو متشابهة فيكون تأويلها على خلاف تنزيلها؟
قال كهلان: بل أنها محكمة لا ينبغي لها من التأويل غير ما سمعت فيها من التنزيل.
قال أبو أيوب: أليس وهي فرض أن تتقوا الله ما استطعتم والاستطاعة باقية فيكم.
قال كهلان: نعم.
قال أبو أيوب: فكل ما استطعتم من تقوى قد كفرتم إن فرطتم.
قال كهلان: نعم.
قال أبو أيوب: فإنكم تستطيعون صدقة أموالكم، وعتق رقبتكم، وقيام ليلكم، وصيام نهاركم، فلو كذبتم على هذه الآية لكان خيرا لكم من أن لو صدقتم، أما شهدتم أنكم تستطيعون ما عددنا من التقوى فضيعتم.
فتعجل كهلان لسأله عن غيرها. (13)
هذا النص دليل على أن القضية مطروحة من عهد مبكر، من النصف الثاني من القرن الثاني/8م (14) كما بين أن الجدل ثار حول الآية المطروحة عن الاستطاعة فإن اعتبرها المعتزلي محكمة ليبرر موقفه من أن الاستطاعة باقية فإن الاباضي وضعها ضمن المتشابهة الذي يحتمل التأويل ليبرز أنها فانية، إذ لو كانت باقية لوجب ألا يتوقف الإنسان لحظة عما عدد من التقوى، فالاستطاعة تفنى بانتهاء الفعل لتتجدد استطاعة أخرى.
قم أن الجدل تركز بعد ذلك على تحديد مفهوم الاستطاعة؟ وهل هي مع الفعل أو قبل الفعل؟ وهل يكلف الإنسان بما لا يطاق؟