البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق:

الجزء ١ · صفحة ٤٤٧

وقد جاء تحليل يوسف المصعبي (15) موسعا لهذه القضية وشاملا لها لما جاء قبله من نصوص خاصة عند أبي خزر وتبغورين والمحشي فماذا عن تحديد مفهوم الاستطاعة؟

تحديد الاستطاعة:

يعتبر الاباضية أن الاستطاعة هي صحة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفات ويعبرون عنها أحيانا بالقوة (16) ويشيرون إلى أنواع من الاستطاعات مثل استطاعة المال، واستطاعة السبيل، واستطاعة الخلقة (17) ، واستطاعة الفعل، وينبهون إلى أن الجدل قائم حول استطاعة الفعل ويشير تبغورين إلى أن معنى " يستطيع، ويمكن، ويفعل واحد عندنا" (18) .

صلة الاستطاعة بالفعل وتكليف الإنسان بما لا يطاق:

بما إن المعتزلة يعتبرون الاستطاعة باقية فإنهم يرون أنها سابقة للفعل بينما يلح الاباضية على أنها مع الفعل وتنتهي بانتهائه لتظهر استطاعة أخرى مع فعل آخر وهكذا ودليلهم على هذا ما يلي:

1- دلالة الفعل على القوة:

"… إذ جومع (19) على أن الفعل دل على القوة وأنه إذا فني الدليل فني المدلول وذلك أنه من شأن القوة أنها لا تبقى حالين، وكذلك الفعل لا يبقى حالين، فكيف يكون أحدهما دليلا والآخر مدلولا عليه إذا لم يجتمعا" (20) .

2- وجود الفعل بزوال الآفة:

"… لما كانت الآفة تمنع الفعل صحّ عندهم (الاباضية) أن الآفة إذا زالت وجد الفعل، لأن الآفة ضد القوة، فالضد ثابت حتى يتأتى ضده فيزيله فاستدلوا بهذا المعنى على أن القوة مع الفعل إذا زالت الآفة التي تمنع من الفعل وإلا بطلت الأضداد ومناظرة الشيء بنظيره" (21) .

3- العجز عن الجمع بين فعلين في وقت واحد:

" ولا يستطع العبد إلا فعل ما هو فيه لأنه لا يستطيع أن يخلق خلقه يستطيع بها أن يكون فاعلا تاركا، ولا مطيعا عاصيا، ولا قائما قاعدا، ولا قابضا باسطا، ولا آخذا تاركا في حال واحدة، هذا ما لا يصح". (22)

4ـ تأويل قوله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم) (64 التغابن16)

٤٤٧ / ٧٤٦