البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

العصمة والخذلان:

الجزء ١ · صفحة ٤٥٣

ومهما يكن هذا التفصيل فإن النتيجة واحدة ذاك أن الإيمان بجميع شعبه لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه.

ثم إلى جانب هذا تتعرض المصادر الى حقيقة الخذلان فتبين أنه" ليس بمعنى فيوصف لأنه ترك من الله للكافر إذا لم يعطه من فضله شيئا يعصمه به بل وكله إلى نفسه والوكلان في مثل هذا ليس بشيء إذا لم يفعل ضده" (36) .

والترك من الله على وجهين: فكل ترك ليس فيه فعل ضده فليس بفعل ولا شيء. وكل ترك فيه فعل ضده فهو شيء ومثل ذلك ترك الله أن يميتك أي أحياك…هذا ليس بشيء…وذلك الترك ليس بشيء إلا صلة في الكلام وزيادة على ما وصفنا (37) .

فالخذلان حينئذ ضد العون وإن كان العون فعلا والخذلان تركا.

ويبين هذا التراث في النهاية أن العون يكون للمؤمن في حال فعله الإيمان والخذلان للكافر في وقت فعله الكفر لا قبل ولا بعد (38) ولا حجة لهم على الله أن يعينهم ولا أن يهديهم إلى دينه بعد أن جعل فيهم قوة يقدرون بها على فعل الإيمان ومكن لهم بذلك ما يأتون من ذلك وما يتركون. (39)

إن هذه التحاليل تثبت دائما الفرار من الجبر المطلق ومن الحرية المطلقة ولله أن يعصم من يشاء وألا يعصم من يشاء لا يسأل عما يفعل في خلقه وهم يسألون عما أوجبه عليهم.

بعد أن مررنا بسرعة على موضوع العصمة والخذلان يحسن أن ننظر في علاقة الدعاء والرزق والأجل بالقدر. فإن كان الرزق محددا من الله تعالى والأجل مقدرا فلماذا الدعاء؟

الدعاء: إن كان المعتزلة يرون أن الدعاء تعبير عن العبادة والخشوع فإن الاباضية والأشاعرة يرون أن الدعاء من القدر وفي هذا الصدد يقول الجيطالي:" فاعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان فرب أمر قدر الله وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إليك إلا بطلب، والطلب أيضا من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب فإنهما مقدوران فمن هنا ثبت أنهما لا يتنافيان" (40) .

فالدعاء حينئذ باب من أبواب تيسير المطلوب ولا يتنافى مع قدر الله تعالى.

٤٥٣ / ٧٤٦