التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة مريم

الجزء ٣ · صفحة ٢

يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوَّة} بِجدٍّ وعزيمة، واستظهار بالتوفيق، فإنَّه لاَ يبلغه من لعب. وأَخْذُه بالجدِّ: بِأن يكون مُتجرِّدا له عند قراءته، منصرفَ الهمِّ، إِلَيْهِ عَن غيره. وفي معنى أَخذِه بقوَّة: التكرير لتلاوته، والمراجعة بالفكر، والتدبُّر فيِ استخراج سرِّ تأويله، والعمل بأحسنه، ﴿وآتيناه الحكم صبيًّا (12)﴾ يعني: الحكمة، أحكم الله عقله فيِ صباه، ﴿وحنانا مِن لدُنَّا﴾ رحمة مِنَّا عليه، ﴿وزكاةً﴾ وتطهيرا مِنَ الذنوب، ﴿وكَانَ تقيًّا (13)﴾ مطيعا، مُتجنِّبا عَن المعاصي، ﴿وَبَرًّا بوالديه﴾ بتأدية حقوقهما، وتركٍ لعقوقهما، ﴿ولم يكن جبَّارًا عصيًّا (14)﴾ مستعصيًا لأمر الله تعالى.

﴿وسلامٌ عليه﴾ سلام لَهُ مِنَّا لَهُ (1)، أي: مدَّة حياته، ﴿يوم وُلِد ويوم يَموت ويوم يُبعَث حيًّا (15)﴾.

﴿واذكر فيِ الكتاب مَرْيَم﴾ يعني: قصَّتها، ﴿إذِ انتَبَذَت من أهلها﴾ اعتزلت ﴿مكانا شرقيًّا (16)﴾ شرقيَّ بيت المقدس، أوشرقي دارها؛ ولذلك اتَّخذ النصارى المشرق قِبلَة فيما قيل؛ ﴿فاتَّخذَت من دونهم حجابا﴾ سِتراً، ﴿فأرسلنا إِلَيْهِا رُوحَنا فتمثَّل لها بَشرا سويًّا (17)، قالت: إِنِّي أعوذ بالرحمنِ منكَ﴾ التجأَت إِلىَ خالقها لَمَّا دَهَمَها ما يسوؤها، لأَنَّهُ لاَ معين فيِ الحقيقة سواه؛ وكذلك ينبغي لِكُلِّ مُؤْمِن، ﴿إن كنتَ تقيًّا (18)﴾ تتَّقي الله؛ وقيل: اسم رجل فاجر اسمه تقيًّا.

﴿قَالَ: إِنَّمَا أنا رسول رَبِّك﴾ الذِي استعذتِ أنت بِهِ، بُعِثتُ ﴿لأهب لك غلاما﴾ لأكون سببا فيِ هبته ﴿زكيًّا (19)﴾ طاهرًا مِنَ الذنوب، أو ناميا على الخير، أو مترقِّيا من سنِّ إِلىَ سنِّ عَلَى الخير والصلاح.

{

(1) - … كذا في الأصل، وَلَعَلَّ الصواب: - «له».

٨١٧ / ١٬٥٨٨