سورة النور
الجزء ٣ · صفحة ١٣٤سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿سورةٌ أنزلناها وفرضناها﴾ قرئت بالتخفيف، ومعناه: أوحينا مَا فِيهَا مِنَ الأحكام، وألزمناكم العمل بها؛ وقيل: بالتثقيل، ومعناه: فصَّلناها وبيَّناها، ﴿وأنزلنا فِيهَا آيات بَيِّنَات﴾ واضحات الدلالة، ﴿لَعَلَّكُم تذَكَّرُونَ (1)﴾ فتتَّقون المحارم.
﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِد منهما مائةَ جلدةٍ، وَلاَ تأخذْكم بهما رأفةٌ فيِ دينِ الله﴾ فيِ طاعته وإقامة حدِّه، فتعطِّلوه، أو تُسامحوا فِيهِ، ﴿إن كُنتُم تُؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ فإنَّ الإيمان يقتضي [392] الجدَّ فيِ طاعة الله، والاجتهادَ فيِ إقامة أحكامه، وَهُوَ من باب التهييج. والرأفة والرحمة لاَ تنال العاصين، ألم تر أنَّ الله لم يُجِرْهم مِن عذابه إِذَا (1) لم يقيموا بدينه؟. ﴿وليشهد عذابَهما طائفةٌ منَ المؤمنِين (2)﴾ زيادة فيِ التنكيل؛ فإنَّ التفضيح قد ينكِّل أكثر مَا ينكِّل التعذيب؛ والمراد بالطائفة: جمع يَحصل بِهِ التشهير.
﴿الزاني لاَ يَنكح إِلاَّ زانيةً أو مشركةً، والزانيةُ لاَ يَنكِحها إِلاَّ زانٍ أو مشركٌ، وحُرِّم ذَلِكَ عَلَى المؤمنِين (3)﴾ قَالَ أبو سعيد فيِ تأويل هَذِهِ الآيَة: «معي أنَّه فيِ التأويل مِمَّا تأوَّل أصحابنا أنَّ المحدود عَلَى الزنا مِن أهل القبلة لاَ ينكح إِلاَّ مَحدودة من أهل القبلة عَلَى الزِّنا، أو مشركة مِن أهل الكتاب مَحدودة، أو غير مَحدودة؛ والمحدودة من أهل الكتاب لاَ ينكحها إِلاَّ محدود من أهل القبلة عَلَى الزِّنا، أو مشرك من أهل دينها كَانَ مَحدودا أو غير مَحدود؛ وحُرِّم مَا سِوى هَذَا عَلَى المؤمنين؛ والمحدودة من أهل القبلة لاَ يَجوز لها المشرك عَلَى حال من أهل الكتاب، وَلاَ مِن غيرهم».
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الأصوب: «إذْ».