نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢١٩

(وَالذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَنْ يَّكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ’ قَرِيناً فَسَآءَ قَرِيناً): … الجملة معطوفة على: (الذِينَ يَبْخَلُونَ) وعطفت عليها جملة: (وَلاَ يُومِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ) من عطف السّبب على المسبب والعلة على المعلول، لأن من ينفق ماله رياء النّاس لا يتوخّى به مواقع الحاجة أوّلا، ثم أن المرائي يثق بما عند النّاس ولا يثق بما عند الله، ويُؤْثِر ما عندهم من المدح والنّفع على ما عند الله من الأجر والثّواب في دار الجزاء، فلا يكون إيمان هؤلاء إيمانا حقيقيا بالله واليوم الآخر. لأن المؤمن الحقيقي وإن كانت تنتابه أحيانا بعض خواطر المدح والثّناء من النّاس فإنها تأتي عنده لماما، سرعان ما يغالبها بالتّوبة إلى الله، والاستعاذة من شرّ الوسواس الخنّاس، بينما يكون الشّيطان هو الحامل لأولئك المتكبّرين على البخل والرّياء، فهو قرينهم في الشّرّ، ودليلهم إلى ما هم عليه من البخل، إذ يأمرهم بالفحشاء ويعدهم الفقر.

وفي الآية تنبيه إلى مدى تأثير القرناء في الإنسان، إن في الصّلاح أو في الفساد وقد قال رسول الله: "إنما المرء بخليله، فلينظر أحدكم من يخالل".(1) وجملة: (وَمَنْ يَّكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ’ قَرِيناً) جاءت معترضة، ولم يصرّح فيها تعالى بذمّ أولئك مباشرة، بل اكتفى بذم قرينهم الشّيطان، وتلك غاية البلاغة التي يمتاز بها القرآن.

(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوَ -امَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً):

(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة وصححه، حديث 7319 - 7320، 4/ 188. ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة، كتاب الزهد، باب منه، حديث 2378، بلفظ "الرجل"، وقال: حديث حسن غريب.4/ 589

١٬٠٨٢ / ٦٬٧٦٧