نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢٤٢

تجيء هذه الآيات الكريمات لتبطل هذا الادعاء، بأن الله تعالى لا يحابي أحدا من خلقه، إذ لا تصل بينه وبين أحدهم قرابة ولا نسب، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، إنما يُنال رضى الله بالتّقوى والصّلاح والاستقامة على منهجه.

(اَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَّشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً):

فأمر هؤلاء اليهود عجب بادعاءاتهم إذ يقولون: (نَحْنُ أَبْنَآؤُاْ اللهِ وَأَحِبَّآؤُهُ) (المائدة:18). وأن ما يعملونه بالنّهار يكفَّر عنهم باللّيل، وتزكية النّفس إنما تكون بالعمل لتنمية فضائلها وتقوية ملكة الخير، وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني".(1)

وقوله: (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَّشَآءُ) أي أنّ العبرة ليست بتزكيتكم أنفسكم، وليس لأحد من الخلق أن يتدلل على الله بذلك، بل الله هو الذي يزكّي من يشاء فهو أعلم بالقلوب والأعمال، كما يُؤيّد هذه الآية قوله تعالى في سورة النّجم: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمُ (إِذَ اَنشَأَكُم مِّنَ الاَرْضِ وَإِذَ اَنتُمُ (أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقَى) (النجم:32). واستعمال أداة: "بَلِ" تفيد إبطال معتقدهم هذا حتى لا يكون لهم مطمع أن يحصلوا على ذلك.

(وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً): أي لا يظلم الله هؤلاء الذين يزكّون أنفسهم ولا غيرهم من الخلق شيئا من الجزاء على أعمالهم ولو كان بمقدار فتيل.

(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك من حديث شداد بن أوس، حديث 191، 1: 12. وقال: صحيح على شرط البخاري و لم يخرجاه. و رواه الترمذي من حديث شداد بن أوس أيضاً، كتاب صفة القيامة و الرقائق و الورع، حديث 2459، 4/ 638.وضعّف ابن حجر الروايتين لضعف شداد بن أوس، أنظر: موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية، 6/ 180.

١٬١٠٥ / ٦٬٧٦٧