نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢٤٩

الآية استئناف في بيان أحكام أخرى تتعلق بشرائع الحكم في الإسلام، ومناسبتها لما قبلها أنّ الله تعالى بعدما بيّن مواقف أهل الكتاب من الدّعوة الإسلامية وما يتصفون به من البخل والشّح والحسد والافتراء ولَيِّ ألسنتهم مما يعتبر خيانة لأمانة الدّين والعلم وجحودا للنعمة أراد الله تعالى أن يؤدّبنا -نحن المسلمين- بأن نكون أمناء في معاملاتنا عدولا في أحكامنا فقال جلّ من قائل: (اِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ (أَن تُوَدُّواْ الاَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).

هـ) - البيان والتّفسير:

يكون الأمرُ صريحا في الوجوب إذا ورد بهذه الصّيغة وكذلك النّهي: "إن الله ينهاكم". والخطاب موجّه لكلّ من يصلح لتلقيه والعمل به مِن كل مَن يُؤتَمَن على شيء في المجال الخصوصي أو العمومي لأنّ الأمانة حقّ عند المكلّف يتعلّق به حق غيره ويودَعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير.

والأمانة ضدّها الخيانة، يقول الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال:27). وكثير من الناس يقصر الأمانة في أضيق معانيها كحفظ الودائع من النّقود أو الحليّ وما شابه ذلك، ولكنّها في دين الله أشمل وأوسع، إذ جاءت في الآية الكريمة بصيغة الجمع، لترمز إلى الشّعور بالتّبعة وتحمّل المسؤولية في كل ما عهد إلى الإنسان من الأمور الحسية أو المعنوية. وهو المعنى المقصود. والله أعلم من حمل هذا الإنسان للأمانة في قوله تعالى: (اِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ) (الأحزاب:72). فقد لخّصها المحققون أنّ المراد منها طاعة الله في كل التّكاليف والفرائض التي افترضها الله على عباده.

١٬١١٢ / ٦٬٧٦٧