سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٣وهكذا بمثل هذه الضّوابط أقام الإسلام موازين القسط، حتى لا تزيغ الأهواء، ولا تطوّح بالنّاس مصالحهم العاجلة للتّحايل على تلك الضّوابط وتأويلها تأويلا خاطئا كما يفعلون عادة بالقوانين الوضعية، لأن شريعة الإسلام أسّست أحكامها على أساس المصالح الخالصة العامّة والصّالحة للنوع البشري كلّه، لا لطائفة من النّاس، أو إيديولوجية معيّنة. ولأن العدل هو صفة من صفات الله جلّ جلاله، قام عليه أمر الكون وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة فقال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ’ لآَ إِلَهَ إِلاًَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماً بِالْقِسْطِ) (آل عمران:18).
وإقامة العدل بين النّاس مهمّة شاقة لا يضطلع بها إلا أولوا العزم، وهي المهمة الأولى لرسل الله كما بيّن القرآن ذلك في قوله تعالى: (لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25). وقال مخاطبا رسوله: (فَلِذَالِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ وَقُلَ امَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم) (الشورى:15).
ويُطلب العدل في الأمور المادية كما يُطلب في الأمور العقلية والمعنوية، وهذه تحتاج إلى دقّة أكثر وضبطها مدعاة إلى معاناة ومشقة كمهمة المربّين والمرشدين وكل من تقلّد مسؤولية عامّة.
وعلى قدر المشقة والمعاناة في إقامة العدل يكون الجزاء عليه عاجلا أو آجلا، لأن العدل أساس الملك كما يقول الحكماء. ولذا جعل الرّسول عليه السلام الإمام العادل في عداد السّبعة الذين يظلم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه. لأن الظّلم مخرّب للعمران ومهلك للشعوب، قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ اَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذتُّهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (الحج:48).