سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٦ولذلك كانوا يسألونه إذا لم يعلموا مراده في أمر من الأمور أهو أمر تشريع أو هو الرّأي والنّظر كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر، فطاعة الرّسول -إذن- مساوية لطاعة الله، ولذلك لا نجد التّكرار للفظ: (أَطِيعُواْ الرَّسُولَ) في غير هذه الآية من نظائرها في سور أخرى من القرآن الكريم كقوله تعالى: (أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) (الأنفال:20). وقوله: (وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ) (الأنفال:46). … إلخ.
والأمر بطاعة ولاة الأمور إنما هو تنفيذ للعدل كما أن الأمر بطاعة الله ورسوله بمعنى طاعة الشّريعة. وقد اختلف العلماء في تحديد أولي الأمر ما بين مضيّق في مفهومه وموسّع، من قائل بالإمام المعصوم كالشّيعة إلى ما اصطلح عليه أهل السّياسة اليوم بسلطة الأمة، ولكن الذي يستروح من الآية الكريمة في أمرها بطاعة أولي الأمر وإيرادها للفظ: (مِنكُمْ) يستروح أن يكون المراد -والله أعلم- طائفة معيّنة من الأمة، وقد درج المحققون بتسميتهم "أهل الحلّ والعقد" وأصحاب الاعتبار والآراء من الأمة، وهم الذين يسند النّاس إليهم تدبير شؤونهم، ويعتمدون عليهم في ذلك، وهم على كامل الثّقة بهم. يقول الشّيخ الطّاهر بن عاشور: "فأولوا الأمر هنا هم من عدا الرّسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش، ومن فقهاء الصّحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولوا الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحلّ والعقد". ثم قال: "وإنما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأن هذين الأمرين قوام نظام الأمّة وهو تناصح الأمراء والرّعية وإنبات الثّقة بينهم".(1)
(1) 1– الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 5/ 81.