نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢٦٩

قلت: يتبيّن لنا من هذه الآية الكريمة أن الذنوب لا تكون على درجة واحدة، فعلى قدر دنسها ورجسها يكون الإلحاح في طلب المغفرة، ولعل أقساها ما يتعلق بها حق لفرد أو جماعة تتأذى بها، كما حدث للرّسول مع هؤلاء المنافقين، ويا ما أعدل أحكام أسلافنا –رحمهم الله- فيما درجوا عليه من وجوب إعلان التّوبة أمام المؤمنين في بيت من بيوت الله عندما يجعلون أحد المواطنين في "الخطّة" لتحدّيه أمر الجماعة أو لمجاهرته بمعصية، وهم بذلك ينفّذون هذه السّنة الحميدة في الطّلب الجماعي والاستغفار لذلك التّائب المنيب، فتتم بذلك المشاركة الوجدانية بين أفراد الجماعة، والتي تكون مظنة لاستجابة الدعاء.

والتّعبير بـ"لَو" إشارة بأن هؤلاء لم يفعلوا فهم محرومون من الغفران.

(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً):

"الفاء" للتّفريع عن قوله تعالى: (اَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَزْعُمُونَ) أكّد نفي الإيمان عنهم توكيدا لفظيا وبالقسم، لأنهم يزعمون أنهم على الإيمان وإن فعلوا ما فعلوه من التّحاكم إلى الطّاغوت ويظنهم النّاس كذلك مؤمنين اغتراراً بمظهرهم. وقد جاء القسم بكاف الخطاب تكريما لرسول الله مع اختيار كلمة الرّبّ من معاني الرّعاية والكفالة. والمقسم عليه هو الغاية وما عطف عليها، ولتحديد المفهوم الحقيقي للإيمان الصّحيح المتمثل في الإذعان النّفسي والخضوع لحكم الله ورسوله بيّن الله تعالى أن ذلك لا يكمل إلا بثلاث خصال:

أ) - أن يحكّموا الرّسول عليه السلام فيما شجر بينهم إما بغموض وجه الحق فيها، أو بعدم الاعتراف به من كلّ منهم، وتحكيمه أي تفويض أمر الحكم إليه.

ب) - أن لا يجدوا في أنفسهم ضيقا يصرفهم عن تحكيمه، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه، أي يتيقنون بأنه قضاء بميزان الحق الذي لا شبهة فيه.

١٬١٣٢ / ٦٬٧٦٧