سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٨عطف على جملة: (فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ)، لقد اعتبر الله تعالى ما فعل هؤلاء المتحاكمون إلى الطّاغوت ظلما لأنفسهم، إذ لم يكفهم ذلك الإعراض عن حكم الرّسول حتى أبدوا صدودهم عمن أرشدهم إلى ما أنزل الله، فبهذا الظّلم كان جزاء الله عادلا عندما تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم. ومع ذلك الظّلم فإن الفرصة متاحة لهم للتّوبة النّصوح لو أنهم بادروا إليها فجاءوك مظهرين لندمهم تائبين من ذنبهم. ويسترعي انتباهنا في النّص قوله تعالى: (جَآءُوكَ) ثم قوله تعالى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) إذ أن هذا الموقف لا يتأتّى إلاّ للذين تناولهم النّصّ عند نزوله، إذ كانت لديهم فرصة استغفار الرّسول لو أنهم فعلوا ذلك، فما شأن الذين جاؤوا من بعده وقد صدر منهم نفس الذنب في تحاكمهم إلى الطّاغوت؟، فلا شك أن باب التّوبة إلى الله يبقى مفتوحا.
وقد وجدت لصاحب المنار ملحظا قيّما لحلّ هذا الإشكال نقله عن الإمام محمد عبده فقال ما نصّه: "وقال في استغفار الرّسول (أي الإمام): إنكم تعلمون أن مشاركة النّاس بعضهم لبعض في الدّعاء مسنونة، وأن من سنته تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبّل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وإن كان كل داع موعودا بالاستجابة، وحقيقة الدّعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى". إلى أن يقول: "وإنما كانت المشاركة في الدّعاء أرجى للقبول لأن الدّاعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلّهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتّحاد المرضي عنده، فكأنّ حاجته حاجتهم كلهم".(1)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 5/ 235.