سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٢٧١وجه اتصال هذا المقطع الكريم بما سبق اختلف فيه المفسرون، فيرى ابن عباس ومجاهد أن الكلام متّصل بما سبق، والضّمير عائد إلى المنافقين ومن يكون على شاكلتهم في كل زمان ومكان. وعلى هذا الاحتمال يكون الأمر بالقتل للأنفس حقيقيا إما بالانتحار أو بتعريضها لقتل محقق، كما أمر بذلك بنو إسرائيل بعد عبادتهم للعجل في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمُ (أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) (البقرة:54).
والخروج من الدّيار هو المهاجرة إلى بلاد أخرى، ووجّه هذا الاحتمال الفخر الرّازي فقال: "الآية توبيخ للمنافقين، والمعنى: إننا لو شدّدنا عليهم التّكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم، ولكنا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد".
والاحتمال الثّاني: أن الكلام في جملة المكلفين من النّاس، فتكون الآية على معنى قوله تعالى: (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَّخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الاِنسَانُ ضَعِيفاً) (النساء:28). والمعنى على هذا الاحتمال أن الله تعالى لرحمته بهذه الأمة لم يفرض عليها ما يشق احتماله كما فعل ببني إسرائيل، ولو فعل لعصى الكثير منهم ولم يطع إلا القليل من أصحاب العزائم والإيمان الرّاسخ، فلا عذر إذاً لمن عصوا رسول الله واتبعوا الطّاغوت.