نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٢٧٤

وللفخر الرّازي توجيه سديد في ترتيب التّثبيت على الخير إذ يقول: "إن الإنسان يطلب الخير أولا فإذا حصّله طلب أن يكون الحاصل ثابتا باقيا فقوله تعالى: (لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ) إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) إشارة إلى الحالة الثّانية".

(وَإِذاً لَّأتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً): "إذًا" حرف جواب وجزاء، أي في معنى جواب لكلام سبقها والجملة معطوفة على الجواب الأول لـ (لَو). فصار لها جوابان تأكيدا لمعنى الجزاء الذي يتضمن في الجزاء الأخير منه شيئين، الأجر العظيم من الله تعالى، والهداية إلى الصّراط المستقيم، فالذين حصروا معنى الآية في الجزاء الأخرويّ فسّروا الصّراط المستقيم بأنه موطن من مواطن القيامة، ويبدو لنا –والله أعلم- أن الهداية إلى الصّراط المستقيم هو توفيق الله لعبده التّقي المطيع إلى إتباع المنهج الصّحيح الموصل لمرضاة الله وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النّبيئين والصّديقين والشّهداء والصّالحين، وقد علّمنا الله كيف ندعوه ونطلب منه هذه الهداية في سورة الفاتحة فلا داعي لحصر قوله تعالى: (لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) أن ذلك هو الجزاء الدّنيوي، وبالتّالي قالوا في الآية الثّانية أنه الجزاء الأخرويّ، إذ أن الدّنيا مطية الآخرة، والجزاء في كلتيهما يترتب على مدى استعداد المؤمن لطاعة ربّه وعلى مدى إخلاصه ووفائه في القيام بتكاليفه الدّينية، فكل من الأجر والخير والتّثبيت والهداية إلى الصراط المستقيم جعلها الله تعالى نتيجة لانقياد العبد المؤمن لطاعة الله وهو تحت تأثير الوعظ والإرشاد يذكّر بما يجب عليه نحو خالقه أو حول نفسه وأهله والنّاس أجمعين.

١٬١٣٧ / ٦٬٧٦٧