نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

إنها نعمة الاستخلاف في الأرض والتمكين لبني إسرائيل من إقامة دولة التوحيد في أرض المعاد وذلك بالوفاء بعهد الله والالتزام بأحكام شريعته في التوراة، وفق تلك الظروف التي مرّت عليهم بصحبة موسى عليه السلام والتي سيبيّنها النص فيما يأتي ومن جاء بعده من رسلهم وأنبيائهم، وقد وفَّى الله تعالى بعهده معهم لمّا استقاموا على الطريقة، سيما في عهدَيْ داود وسليمان، ومن تمام وفائهم بعهد الله أن يصدّقوا برسالة محمد عليه السلام وقد بُشِّرُوا به في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومن شأن ذلك التذكير أن يزيل ما بأنفسهم من غلّ وحسد، ممّا كان سببا لجحودهم ومناوأتهم للدعوة الإسلامية كما قال في شأنهم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنم بَعْدِ إِيمَانِكُم كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنفُسِهِم مِّنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 109).

(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ): تتابعت بالعطف الأوامر الإلهية لبني إسرائيل، وكان كلّ أمر يتولّد عن الذي سبقه، فشكر المنعم يقتضي الوفاء بعهده، لأنّ ذلك قيد لتلك النّعمة، والوفاء بعهد الله قد يفوّت بعض المنافع العاجلة التي من شأنها أن تجعل مستبقيها مقيّداً ببعض الولاء والخوف ممّن تجري على أيديهم تلك المنافع، ويكون هؤلاء عادة من السّادة الكبراء الذين يخشون على حظوظهم وامتيازاتهم أن تزول إن هم اتّبعوا الدّين الجديد، وحتّى لا يقف أولئك الكبراء في وجه الضعفاء وينتفي الخوف من نفوسهم جاء الأمر بالرّهبة من الله وحده بأسلوب الاختصاص بتقديم المعمول على العامل، وانتفاء الخوف إلاّ من الله من نفس المؤمن هو صمّام الأمان ووثيقة التّأمين له في الوفاء بعهد الله.

١٢٠ / ٦٬٧٦٧