سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٤٠(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً): أمر الله رسوله بالإعراض عنهم بأن لا يحفل بهم ولا يؤاخذهم على دخائلهم، فإنهم لا يضرّونك في دعوتك لأن الله حافظك من مكائدهم، ويجوز أن يكون أمر الرّسول بالإعراض عنهم أن لا يبشّ في وجوههم مثل ما يفعله ببقية أصحابه الأوفياء.
وفي التّوكّل على الله بعد الأخذ بالأسباب، وبعد الحيطة والحذر المأمور به في الآية السّابقة، تطمين للجماعة الإسلامية وفي صفوفها هذا العدوّ المتستّر، بأن الله تعالى يكفيها شرّه ويفسد خطته، فلا يستطيع أن ينال من سير الدّعوة منالا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
(اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً):
"الفاء" للتّفريع عما سبق من أحوال تلك الطّوائف المنافقة أو المترددة الشّاكة، والاستفهام إنكارّي للتّوبيخ، وكان الدّافع في نفوس هؤلاء إلى تلك المواقف المخزية هو فساد تصوّرهم لحقيقة الرّسالة، وشكّهم في ما يوحى إلى الرّسول بأنه كلام الله، مما يدلّ على سطحيتهم في تفهّم معاني القرآن.
وتدبّر القرآن هو التّأمّل في دلالاته، إما تفصيلا في ما أرشد إليه من مختلف الأحكام التي تبيّن مقاصد الشّريعة بما يكفل السّعادة والهناء للمؤمنين، أو من المواعظ والإرشادات الخلقية التي تكفل للمؤمن السّلوك النّظيف في حياته الذّاتية، والطّهر والصّلاح في حياته الاجتماعية. وإمّا أن يتدبّروا القرآن في إعجاز مبناه صياغة وبلاغة مما عجزوا هم عنه في الإتيان بمثله وهم أساطين الفصاحة والبلاغة، وذلك يدلّ على أن الذي جاء به صادق وأنه من عند الله، لأنّه لو كان من وضع البشر لوجدوا فيه اختلافا كبيرا، إن في معناه ومضمونه، أو في مبناه وترتيب آياته وسوره.