سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وبما أنّ اليهود المقصودين بهذا الخطاب قد بادروا بمناوأة الدّعوة الإسلامية، فقد جاء هذا النّهي توبيخاً وتنديداً لموقفهم المخزي، ولا يُقصد بالأوّليّة الحقيقةُ التّرتيبيّةُ، وإنّما هي للمفهوم المجازي، وفيه تعريض بمشركي مكّة الذين كانوا أوّل الكافرين بالدّعوة، وهم في جهالة وأمّيّة، فلا يليق بأهل الكتاب أن يكونوا مثلهم في الجحود والكفران، ويزداد النّكير والتّنديد على كبرائهم وعلمائهم لأنّهم في مقام القدوة لقومهم، وهم يخشون على نفوذهم ومنافعهم باستغلال عامّتهم، كما أنّ العامّة تخشى غضبهم وعقوبتهم، فكان هذا النّهي الإلهي عن مقايضة تلك المنافع بينهم، في عملّية فادحة الغبن: (وَلاَ تَشْتَرُوا بِئَايَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً)، فآيات الله هي السّلعة الغالية الثّمينة في أيدي أولئك العلماء، يبيعونها بثمن بخس، أو هي الثّمن المبخوس يشترون به منفعة قليلة، وهو الجحود والكفر، فإنّ الدنيا بكلّ زينتها ومفاتنها هي متاع قليل عند الله لا تساوي جناح بعوضة، وقد تقدّم في أوائل السّورة تحليل هذا التّعبير عند قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الذِينَ اَشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)، ولمّا كان الإيمان بالله الذي يدعون إليه، هو الحصن الحصين الذي يقيهم تلك الشرور، جاء التّذييل بالأمر بالتّقوى، على الصّيغة السّابقة (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ).