نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٣٧٢

النّداء الإلهي على الاستئناف الابتدائي والآية الكريمة شديدة الاتصال بما قبلها، ومهما قيل في سبب نزولها فإنها تبيّن أحوالا كثيرة يشتبه فيها الأمر على المسلمين حين يقتلون أو يحاولون القتل، إذ ما تزال الأوضاع متوتّرة بوجود كفار محاربين ومنافقين مماثلين لهم. والنّاس في مثل تلك الأحوال قد يتذرّع البعض منهم بأساليب التّقيّة للاستبقاء على أرواحهم أو المحافظة على أموالهم. فقد حدثت قضايا من هذا القبيل في عهد رسول الله قتل فيها المسلمون بعضا من أولئك الذين اشتبهوا في أمر إسلامهم وهم يدلون بالشهادة أو يلقون إليهم بالسّلام وسيوف المسلمين منتضية في سرّية من السّرايا التي كان الرّسول يبعثها لاختبار وضعية أعدائه. وقد تعدّدت الرّوايات واختلفت في اسم القاتل والمقتول، وفي كل منها كان الرّسول ينكر على القاتل تسرّعه بمثل قوله: "كيف لك بلا إله إلا الله غدا"(1). ومثل قوله: "فهلاّ شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه".(2) وتضيف نفس الرّوايات أن الرّسول اعتبر ذلك قتل خطأ فكان يحمل الدّية إلى أولياء القتيل. وعندما نزلت هذه الآية الكريمة وضعت الحدّ الفاصل بين الممارسات الماضية التي لا تتفق مع روح الإسلام ومنهجيته في نشر دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصّالحة في الدّاعية. وإنه يدعو إلى المهادنة والسّلم ما وجد لذلك سبيلا يقول تعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال:61).

(1) 1 - رواه مسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، حديث 97، 1/ 97.

(2) 2 - رواه مسلم من حديث أسامة بن زيد، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، حديث 96، 1/ 96.

١٬٢٣٥ / ٦٬٧٦٧