سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٧٧في معرض تفصيل بعض الأحكام المتعلقة بالقتال والقتل، وبعد التّوبيخ الإلهي لإزهاق الرّوح المؤمنة من طرف المجاهدين أخذا بالظّنة، وحرصا منهم على التّأكد من صدق الإيمان وإخلاصه جاءت هذه الآية الكريمة لتعفوَ آثار اللّوم والنّذارة وتبشر المجاهدين بأن لهم من الله فضلا عظيما وإن أخطئوا في اجتهادهم، وفي اختيار وصف المجاهد المؤمن ما يدلّ على المدح والتّكريم بعد اللّوم والتّأنيب جريا على أسلوب القرآن الكريم في التّنويع. لأن وصف المقاتل توحي بالعنف والقساوة. أما الجهاد بمفهومه الشّرعي فهو كما حدّده رسول الله بقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".(1) وفي جوابه لعبد الله بن عمرو بن العاص عندما قال له: "يا رسول الله: أخبرني عن الجهاد والغزو … فقال: يا عبد الله: إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا. يا عبد الله بن عمرو: على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال".(2)
والجهاد بالمال والنّفس هو دعامة كل تغيير في المجتمعات البشرية، ومرتكز الدّعوات في نشر مبادئها، لا ينهض به إلا من تغلغلت في نفوسهم أفكار تلك الدّعوة. وبما أن الجهاد بمفهومه الشّرعي قرين بالدّعوات الصّالحة فهو الذي يجسّد في واقع النّاس مثاليتها في طور التّأسيس والبناء ثم هو الذي يحصّن قلعة الإيمان ويصونها أمام التّحرشات والتحديّات.
(1) 1 - تقدم تخريجه، صفحة 233.
(2) 2 - رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الجهاد، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، حديث 2519، 3/ 14.ورواه الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عمرو أيضا، حديث 2437، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، 2/ 95.