نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٣٧٨

والجماعة المؤمنة لا تكون على حدّ سواء في حرارة الإيمان وبالتالي لا يتساوى مجهودها في القيام بالتّكاليف. فهناك مجاهدون مخلصون أوفياء، وهناك قاعدون تنتابهم حالات من الضّعف البشري فيقصّرون ويتعلّلون ولكن لا ينتهون إلى الحدَ الذي يزجّهم في زمرة المنافقين المخادعين. ولئن كان في جماعة رسول الله هؤلاء وهؤلاء وتنزّلت في وضعيتهم هذه الآيات، فكيف بمن يجيء بعدهم من الأخلاف؟. ولذا فإن الآية الكريمة تضع القاعدة العامّة التي تصلح لكل زمان ومكان مهما تعدّدت الظّروف والملابسات.

قاعدة التّفاضل التي ترتكز على معيار دقيق منزّه عن المحاباة لأن الحكَم فيها هو الله جلّ جلاله الذي يضع موازين القسط فلا تظلم نفس شيئا. فمن ترى هؤلاء القاعدون من المؤمنين؟ وكيف استساغوا هذا القعود في حضرة رسول الله؟.

يبدو لنا أن هذه الوضعية لا يمكن أن نتصوّرها في صحابة رسول الله، ولكن الطّبيعة البشرية كما فطرها الله لا يمكن أن تتغيّر، وحكمته في جعل النّاس متفاوتين في الفضل لا تتخلّف حتى مع المختارين من عباده وهو القائل: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (البقرة:253). والقائل: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ) (الأنعام:165). ففي مكة قاعدون مؤمنون وهم في دار الكفر لا يقوون على تكاليف الهجرة إما ضعفا وفقرا، وإما حفاظا على أموالهم أن يتركوها بين يدي الكفار، وفي المدينة قاعدون قد يلتمسون لأنفسهم المبررات، وفيهم أصحاب الضّرر ممّن تتلّهف نفوسهم أن يكونوا مع الطّليعة المفضّلة لو وجدوا إلى ذلك سبيلا وقد قال ابن أمّ مكتوم لرسول الله عندما نزلت الآية: لو أستطيع الجهاد لجاهدت. فكان هذا الاستثناء المناسب.

١٬٢٤١ / ٦٬٧٦٧