سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٨١جاءت الآيات في موقع الاستئناف البياني، لما تطرحه الأحكام السّابقة لكل من المجاهدين والقاعدين، تلك الأحكام التي تجرّ إلى التّساؤل عن فريق من النّاس لم يظهروا إسلامهم بدعوى أنهم في أرض الكفر وقهرهم المشركون فقعدوا عن الهجرة ونصرة النبي. وقد ذكرت الرّوايات بعض الأسماء لهؤلاء من الذين ارتدّوا بعد أن فتنهم الكفار فخرجوا معهم إلى بدر، فمنهم من قتل ومنهم من أُسِر ففدوْا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك كالعباس بن عبد المطلب.
جاء البيان مؤكّدا بـ: "إِنَّ" لإزالة الشّكّ في كون هؤلاء قد ظلموا أنفسهم بمثل ذلك الموقف الشّائن الذي لا عذر لهم فيه، وأنهم ملحقون بالكفار في وعيد جهنّم. والعلة في ذلك أنهم ظالمون لأنفسهم سواء بارتدادهم إلى الكفر بفتنة المشركين، أو بعدم هجرتهم وهم قادرون عليها لأنها كانت شرطا لصحة الإسلام، على أن من العلماء من لا يحكم بكفر تارك الهجرة الواجبة. وقد تقدم التّعرّض في الآيات السّابقة إلى ذلك النّوع من المنافقين الذين أظهروا الإسلام ثم ارتدّوا عنه وكانوا حربا عليه مع الكفّار. وأيّا كان المقصود بالآية الكريمة فإنها تفصّل واقعا اجتماعيا يتكرر في كل زمان ومكان عندما تكون المواجهة بين الحق والباطل تبرز فيه هذه الطّوائف المختلفة في صدق وفائها وإخلاصها، أو تردّدها وانخذالها.
وقد تحوّل الأسلوب من الغائب إلى الخطاب على وجه الالتفات في صورة حوار بين هؤلاء المستضعفين والملائكة ليجسّد المعاناة التي تنتظرهم عند نزع أرواحهم وهي الخطوة الأولى في عالم ما بعد الموت لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى.