سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٢غير أن التّصوير الفني الرّائع في القرآن الكريم لمشاهد القيامة ندرك من خلاله تلك الفروق الكبيرة التي تكون للأموات عند النّزع ما بين راحة الأبرار وعناء الفجّار فيقول تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) (محمد:27). ويقول تعالى في سورة النّحل: (كَذاَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ، الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:31 - 32). وفعل: (تَوَفَّاهُم) بمعنى الماضي وهو جائز التّذكير و التّأنيث أو بمعنى الاستقبال حذفت منه إحدى التّائين. والاستفهام للتقرير والتّوبيخ في قوله: (فِيمَ كُنتُمْ).
ولتبرير موقفهم أجابوا بواقع أمرهم من استضعاف الكفار لهم وحسبوا أن يكون ذلك عذرا لهم، غير أن الرّدّ الملائكي كان مفحما على أسلوب التّوبيخ والتّقريع، لأن الضّيق الذي وقعوا فيه من الذلّ والإهانة ليس ناتجا عن طبيعة هذه الأرض التي خلقها الله تعالى واسعة الأطراف لتكون مراحا وملاذا لكل أنواع خلقه. وفي إضافة لفظ الجلالة إلى الأرض ما يشعر بحق الإنسان في الحرية والانطلاق في أرجاء الأرض الواسعة، بل الإنسان هو الذي يرضى لنفسه الذّل والمهانة فيوقع نفسه في الشّدة والضّيق.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرّجال تضيق
وقولهم: (فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) يدلّ على ربط النّتيجة بالسبب بهذه "الفاء"، وأن هؤلاء هم قادرون على ذلك لو شاءوا، ولكنهم آثروا البقاء في دار الكفر على الضّعف والمهانة خوفا من الأذى. وقيل: إنه نزل في مثل هؤلاء قوله تعالى في سورة العنكبوت: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ) (10).