سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٤لنا أن نتساءل بعد معرفة هذا الحكم الإلهي الواضح في بعده الاجتماعي والسّياسي. والذي يهدف إلى تحقيق عزة المؤمنين وأمنهم في ممارسة أحكام دينهم. وبما أن حكم هذه الآية في نظر أغلب العلماء قد انتهى بفتح مكة لقوله عليه السلام:"لا هجرة بعد الفتح". فلنا أن نتساءل عن الأوضاع الكثيرة التي عرفها المسلمون وعاشوها، إما وهم مقيمون في أوطانهم تحت حكم استبداديّ في نظام عسكرّي أو بوليسي، أو هم مهاجرون إلى بلدان أخرى يأخذون جنسيتها فتطبّق عليهم القوانين الوضعية لتلك البلدان، أو هم مهاجرون يحافظون على جنسياتهم الأصلية، وتطبق عليهم أحكام المهاجرين الأجانب. وهل نستطيع أن نحصر عدد تلك الأحوال التي يعيشها المسلمون في أرجاء العالم؟ غير أن حكم هذه الآية الكريمة هو الأصل الذي يقاس عليه في استنباط الأحكام الشّرعية التي تناسب كل حالة يفتن فيها المسلم في دينه أو أنه يجد الحرية والأمن في القيام بواجبات دينه سواء أكان في بلده أم غير بلده. وللإمام ابن عاشور-رحمه الله- اجتهادات في بيان بعض الأحوال المختلفة التي عاشها في عصره، جمعها في ستة أحوال تراجع في تفسيره التّحرير والتّنوير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة في الصّفحات: 178 - 179 - 180 من الجزء الخامس ثم يقول بعدها: "ودون هذه الأحوال السّتة كثيرة هي أولى بجواز الإقامة، وأنها مراتب، وإن لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية".(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 5/ 180.