سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٥قد تبدو أحداث القصة التي كانت سببا للنّزول حدثا طبيعيا من إفرازات المجتمع البشريّ، ولكن هذا المقطع القرآني الكريم الذي جاء في مكانه المناسب لبيان المسلك في الخروج من الذّنب، وما يتضمنه من ألفاظ تدلّ كلها على المعصية حسب مستويات أحجامها، كل ذلك يدلّ على خساسة هذا المسلك الذي تنجرّ عنه فتن ومناوشات تهزّ أركان المجتمع وتهدّد أمنه، فلا يظن غافل أن الخطيئة في هذه القصة لا تتجاوز أقوالا ستر بها قوم جريرتهم لئلا يفتضحوا. وقد قال المولى جلّ وعلا في شأنهم: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)، وقال الشّاعر سديف لبني أمية محذرا إياهم من عواقب الفتنة:
أرى خلل الرّماد وميض نار … ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النّار بالعودين تذكي وإن الحرب أوّلها الكلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم يكون وقودُها جثتٌ وهَامُ
(وَمَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُو ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيمًا): ففي هذه الآيات الكريمات تحذير شديد لأولي الأمر من أعداء الحق والعدل لئلا يغترّوا بظواهرهم أو فصاحة لسانهم فتختلّ بذلك موازين القسط، ولكنها جاءت في معرض التّحريض والتّرغيب في التّوبة والاستغفار، واختيرت لها صيغة الشّرط العامّة الدّالة على العقلاء: "مَنْ" مع تفصيل لنوعي المعصية، سواء تلك التي تضرّ بفاعلها لذاته أو التي تضرّ بغيره. وجيء بـ"ثُمَّ" لتدلّ على الواقع البشري عند احتدام النّزوة الطّائشة في ارتكاب المعصية، إذ لا يقبل العاصي على التّوبة والاستغفار إلا بعد لأي وانتظار، ليعود الوعي فتتحقق العظة والاعتبار. والله الغفور الرّحيم لا يردّ توبة عبده إذا كانت نصوحا مهما كان عظم الذّنب، وفعل: "يَجِد" في جواب الشّرط يدلّ على ما ينبغي أن يكون عليه التّائب من حسن الظّن بربه أن يغفر له بحيث يصبح ذلك -بفضل الله ورحمته- كالأمر المحقّق.