نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٢١

أ) - هل الأصل في جبلّة البشر النّزوع إلى الخير أو الشّر؟ وقد اختلف العلماء في ذلك. ويبدو -والله اعلم- أن النّزعة الخيرية هي في أصل الفطرة البشرية، إذ يكون من تمام إكرامه تعالى لهذا المخلوق أن يوفّر له أسباب الصّلاح والخير سواء بالإرادة الذّاتية أو بإتباع النّصح والإرشاد على أيدي رسله الكرام، ويدلّ على رجحان هذا المعنى ما ورد في هذه الآية الكريمة من التّعبير باتخاذ النّصيب، أي أن الشّيطان في طبيعته الشّرّيرة لا ينسجم مع طبيعة الإنسان ولا تتلاءم معها تلاءم اتحاد واندماج لما قدّر الله بينهما من العداوة الأزلية عندما قال: (قَالَ اَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (طه:123). بل كل ما يستطيعه الشّيطان هو تلك الوسوسة والإيحاء في فترات غفلة الإنسان عن ذكر الله، ولذا فقد ورد وصفه بالخنّاس. وحتى عند انجذاب الإنسان لتلك الوسوسة فهو لا يبلغ أن يصبح في طبيعة الشّيطان الشّريرة، بحيث يأخذه في نصيبه حتى يصبح في ملكيته يتصرّف بها كيف يشاء. بل هو يتخذ منه تابعا مفتونا لوقت ما، ثم ينقلب عليه متبرّئا به متنكّرا عندما ينال منه مبتغاه، كما تفصح على ذلك بعض الآيات مثل قوله تعالى في سورة الحشر: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلاِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (الحشر:16). وجاء في سورة إبراهيم قوله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الاَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ اِلآَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ) (إبراهيم:22).

١٬٢٨٤ / ٦٬٧٦٧